التاريخ : الجمعة 02 أكتوبر-تشرين الأول 2020 : 06:28 مساءً
طباعة المقال طباعة المقال
RSS Feed ثقافة و فنون
RSS Feed د. ماجد أبو ماضى
RSS Feed ما هي خدمة RSS 
بحث

  
القضايا اللغوية في الصحافة العربية
بقلم/ د. ماجد أبو ماضى
نشر منذ: 11 سنة و أسبوعين و 6 أيام
الخميس 10 سبتمبر-أيلول 2009 05:09 م

إن للغتنا العربية أهمية كبيرة، لأنها ليست مجرد أداة للتفاهم بين أبناء العروبة فحسب، وإنما تضم مخزوناً حقيقياً للإرث الثقافي والتاريخي والفكري... فالتعبير عن حضارتنا وتاريخنا وحاضرنا كان باللغة العربية، فهي تمنح الآفاق الواسعة للإبداع والعطاء، وبها تقوى حضارتنا وتتطور، فهي أداة الإبداع الحقيقية والوحيدة التي يستخدمها أبناء أمتنا من المحيط إلى الخليج .. تواجه لغتنا منذ زمن تحديات معاصرة ومستقبلية، وهي تحديات مرتبطة بحياة العرب الفكرية والثقافية والاجتماعية والسياسية... وناشئة عنها، ومعبرة عن الصراع القومي الوجودي الذي يخوضه العرب دفاعاً عن الذات العربية الخالدة وعن الأرض والثروات العربية، وعن القرار العربي المعبر عن إرادة أمة تتعرض لأبشع أنواع الهجمات.. أمام هذه التحديات نقف نحن المثقفين أمام مسؤوليات كبيرة تتطلب منا بذل جهود مضاعفة وصمود أقوى لأنها تهددنا وتهدد لغتنا.. ومن أهم هذه الجهود رفع مستوى خطابنا اللغوي في الصحف والمجلات، وبخاصة أنها الأكثر انتشاراً وتداولاً بين الناس على مختلف مشاربهم ومجالسهم.. فما واجبنا من أجل النهوض بلغتنا لترتقي وتسمو أكثر؟ ما الجهود التي يجب أن تبذل للمحافظة على رونق اللغة العربية في مجال الكتابة الصحفية؟ ما الخطوات الواجب اتخاذها لرفع شأنها من الواقع المتردي الذي تعيشه؟ ما المقومات التي تتصف بها المقالات لنسميها بالجيدة؟ للإجابة عن هذه الأسئلة لا مناص من التطرق إلى مجالات ومناح متعددة في هذا الموضوع أهمها :
العناوين المنتقاة
يجب أن ننتقي العناوين بأهمية وعناية، وبخاصة أن الدراسات الحديثة تولي اهتماماً استثنائياً لها، لأنها وجدت فيها مقاربة للنص الأدبي ومفتاحاً أساساً للتسلح لمن يريد أن يلج النص ويسبر أغواره ويغوص في أعماقه، فالناقد رولان بارت يرى أن العناوين أنظمة دلالية سيميولوجية تحمل قيماً أخلاقية واجتماعية وإيديولوجية فاللباس، الأثاث كلها أدلة تعطي فكرة عن الوضع الاجتماعي الأخلاقي والإيديولوجي.. فيجب أن يكون للعنوان معنى فيه من الإيحاء ما يثير فضول القارىء لتفتح شهيته على ما هو مكتوب تحت العنوان، وهذا لا يتم إلا إذا غلب عليه- العنوان- الطابع الإيحائي ليقوم بوظيفة الاحتواء لمدلول النص، ولكننا عندما نمعن النظر وننعم التفكير لابد من طرح الأسئلة: ما ميزات العنوان الجيد؟ ما مقومات العنوان ليستطيع لفت الأنظار إلى الموضوع المطروح؟ كيف يصاغ لإثارة فضول القراء؟ .
إن أمراً من أهم الأمور يكمن في اختيار العنوان بعناية: أن يكون متماهياً مع الأفكار الواردة في المقالة، فإذا استطاع أن يلفت النظر من حيث الشكل والمعنى، فإنه يستطيع جذب القراء لقراءة ما يناقش من أفكار وما يعرض من معلومات، فيجب أن يكون مكثفاً ومختصراً لا أن يكون طويلاً ومشتتاً، لأنه - عندها- يفقد إثارته ومعناه، ولا مانع أن تتضمن بعض العناوين نوعاً من التناص سواء أكان تناصاً لفظياً أم معنوياً، وبخاصة إذا أحسن الكاتب استخدام التناص ووظف عباراته بما يخدم الموضوع، فعندها يأتي أكثر تأثيراً واتقاداً في الذهن، وأعظم وقعاً في النفس، وبخاصة إذا علمنا أن في التناص نوعاً من توارد الخواطر وتقاطعها، عندها يصبح العنوان قاسماً مشتركاً .
إن القارىء الذي يصبح مهيأ لتقبل الموضوع بأفكاره ومعلوماته لأنه اتفق مع الكاتب منذ البداية وتلاقيا بأفكارهما وتشاركا فيها، فغدا الطريق ممهداً للتأثير في الآخرين، وتحقيق الهدف المرجو من كتابة هذا الموضوع، ومن المفيد أن نذكر بأن على العنوان مهمة أساسية تكمن في التكامل مع الموضوع. لا الانفصال عنه، وما نلاحظه في بعض الأحيان أن العنوان لا يدل على ما في الموضوع من أفكار وقضايا، فلو أخذنا نماذج نراها أحياناً، لتأكد لنا هذا الكلام، فكثيراً ما نجد موضوعاً جيداً بأسلوبه ولغته وأفكاره، لكنه سيىء بعنوانه، لأن كاتبه لم يحسن اختيار العبارات المعبرة والمناسبة للأفكار المطروحة، فلابد من صوغ وسبك العنوان بطريقة محنكة ومدروسة بعناية خلاقة وإبداع متميز .

الصناعة اللغوية للموضوعات
إن عدم التوفيق في الاختيار اللغوي الموفق بشكل عام وصياغة اللغة التعبيرية بشكل خاص، يؤدي إلى اتخاذ موقف سلبي من قضيتنا اللغوية، ولكي نقف عند حقيقة الأمر يجب طرحه من ناحيتين: الأولى- تتمثل في تدني براعة اللغويين في تناول الموضوعات اللغوية والتعبير عنها من جهة، وباختيار الموضوعات لنشرها في الصحف من جهة أخرى، فنرى بعض القائمين على اختيار موضوعات اللغة لا يحسنون انتقاء المواد التي تتسم بالشفافية وتلامس جدار القلوب وتحاكي العواطف والمشاعر والأحاسيس، ولو تم ذلك لأحد الموضوعات نلاحظ أن الكاتب لا يجيد صياغة أسلوب الكتابة في الموضوعات المطروقة، فما الذي يحصل هنا؟ ما يحصل أن هناك خللاً بيناً في صياغة اللغة لهذا الموضوع، فنراها لغة متشددة في الفصحى تختار الألفاظ الصعبة والغريبة وتنحو منحى فيه من الصعوبة الشيء الكثير، أو أنها تنحو نحو السهولة والليونة واستخدام الألفاظ العامية والأسلوب الركيك في التعبير عن الأفكار التي يريد الكاتب طرحها، والقضايا التي يريد طرقها، ولكن ما الحل؟.. إنه يكمن بحسن اختيار القضية اللغوية التي يريد الكاتب معالجتها في موضوعه وبحسن التعبير عن هذه القضية واستخدام الأسلوب الجيد المعتمد على الألفاظ المأنوسة والمفهومة والواضحة، فلا نريده أن يوغل في استخدام الفصحى ولا أن ينخفض إلى العامية، لا ليس هذا ما نريده، بل أن يعبر بأسلوب قوي وبلغة فصيحة مبسطة لا تسقط في مهاوي العامية ولا في تقعر الفصحى، بل أن تكون قريبة من الناس لتدخل إلى قلوبهم، وتحقق الهدف المرجو من كتابة ذاك الموضوع .

الأغلاط النحوية والإملائية
لابد من الإشارة إلى ضرورة خلو الموضوع من الأغلاط النحوية والإملائية والأسلوبية والتعبيرية.. لأن النتيجة عندها ستنقلب إلى السلبية بدلاً من الإيجابية، التي نتمنى أن تكون هي السائدة، وهنا أهيب بالقائمين على تدقيق المواد في الصحف -بشكل عام- أن يهتموا كثيراً بالتدقيق اللغوي وتنفيذ المهمة الموكلة إليهم بكل نجاح وإتقان لأننا كثيراً ما نقرأ موضوعاً جديراً بالقراءة، لكنه محشو بالأغلاط، الأمر الذي يفقده رونقه التعبيري وأسلوبه اللغوي، على الرغم من مروره على مدققي الصحيفة. وللتدقيق أهمية استثنائية عندما نتذكر أن اللفظة الواحدة تغير معنى جملة بالكامل، مثلما مرّ معي- شخصياً، عندما نشرت مقالة حول تاريخ النحو العربي وردت عبارة «كان لأبي الأسود الدؤلي دور في تقعيد القواعد» فوردت العبارة بعد الطباعة «كان... في تعقيد القواعد» وشتان ما بين العبارتين، فهما تتضمان معنيين متناقضين. وفي بعض الأحيان يصحح المدقق عبارة بظنه أنها خاطئة، فيضع العبارة الخاطئة مكانها مع العلم هو الصحيح، فقد وردت مرة عبارة «مرت السنون...» فغيرها المدقق إلى «مرت السنين» على أنها هي الصواب، ولكن الأولى هي الصواب.. فللأغلاط النحوية والإملائية دور في ارتقاء الموضوع أو انخفاضه، لأن الموضوع يكون جيداً إذ كانت أفكاره ممتازة وتحاكي أموراً واقعية وملموسة لدى جميع الناس من جهة، ثم الأسلوب الذي يعبر به الكاتب عن تلك الأفكار والخالي من الأغلاط من جهة أخرى، فإذا توافرت هذه المقومات استطعنا أن نصف ذاك الموضوع بأنه جيد أو لا.. هل حقق غاياته وأهدافه التي كتب من أجلها؟ أو أنه لم يطرق آذان القراء ولم يحقق شيئاً .

كلمة أخيرة
بعد هذا العرض لمقومات المقالات الجيدة، لابد من التأكيد أن للمقالة دوراً في التوعية بجميع مناحيها الفكرية والثقافية والاجتماعية.. وأضحت تعبر عما يجول في نفوسنا من آلام وآمال، وتتماهى مع ما في أذهاننا من أفكار واقعية تعطي صورة صادقة عن الخلجات النفسية والعواطف والوجدان، فإذا دخلنا إلى الباب وتركنا القشور وجدنا أنه من الضروري امتلاك ناصية اللغة للتعبير عن أي موضوع من الموضوعات، لأننا لا نستطيع التعبير عما في أذهاننا إلا باللغة، ولا لغة دون أفكار نستطيع إيصالها إلى الآخرين، وإلا أصبحت نوعاً من العبثية لا معنى لها وفائدة فيها.. لأن اللغة هي الفكر ونعبر عن الفكر باللغة، فإذا ارتقينا بلغتنا إلى حد التعبير عما في نفوسنا من مشاعرنا وفي عقولنا من أفكار، وإيصال كل ذلك إلى القراء بأسلوب مبسط وسلس لا تعقيد ولا غموض فيه، فإننا بذلك نكون قد وصلنا إلى كتابة جيدة وأسلوب واضح مفهوم ونلقى صدى إيجابياً لدى القارئين للمقالة، فباللغة ترتقي المقالة أو تنخفض، وبها نحكم على إيجابية أو سلبية ما فيها، وباللغة ننقل معلوماتنا، ويفيد الآخرون منها ويتقبلون أفكارها ويعملون بها ويؤمنون بالقضايا المطروحة من خلالها، عندها نكون قد أرضينا أنفسنا من خلال التعبير عما فيها من مشاعر وأفكار وعواطف من جهة، وأفاد منها القراء من خلال إعجابهم بما طرحنا وباستخدامنا لغة سليمة معافاة في هذا الطرح، وبأسلوب رشيق يؤدي للإقناع من جهة أخرى، فالواجب يدعونا للكتابة بمنطقية وحكمة، وبواقعية لغوية فيها الكثير من العقلانية والأسلوبية والجمالية .

تعليقات:
تعليقات:
ملحوظة:
    قيامك بالتسجيل وحجز اسم مستعار لك سيمكنكم من التالي:
  • الاحتفاظ بشخصيتكم الاعتبارية أو الحقيقية.
  • منع الآخرين من انتحال شخصيتك في داخل الموقع
  • إمكانية إضافة تعليقات طويلة تصل إلى 1,600 حرف
  • إضافة صورتك الشخصية أو التعبيرية
  • إضافة توقيعك الخاص على جميع مشاركاتك
  • العديد من الخصائص والتفضيلات
للتسجيل وحجز الاسم
إضغط هنا
للدخول إلى حسابك
إضغط هنا
الإخوة / متصفحي موقع حزب البعث العربي الإشتراكي-قطراليمن نحيطكم علماُ ان
  • اي تعليق يحتوي تجريح او إساءة إلى شخص او يدعو إلى الطائفية لن يتم نشره
  • أي تعليق يتجاوز 800 حرف سوف لن يتم إعتماده
  • يجب أن تكتب تعليقك خلال أقل من 60 دقيقة من الآن، مالم فلن يتم إعتماده.
اضف تعليقك
اضف تعليقك
اسمك (مطلوب)
عنوان التعليق
المدينة
بريدك الإلكتروني
اضف تعليقك (مطلوب) الأحرف المتاحة: 800
التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الموقع   
عودة إلى ثقافة و فنون
ثقافة و فنون
د/عبدالعزيز المقالح
دور الفضائيات التعليمي في زمن الأنفلونزا
د/عبدالعزيز المقالح
الرفيق/خالد السبئي
الذكرى 36 لحرب تشرين التحريرية-نقطة تحول جذري في حياة أمتنا العربية في الصراع العربي الصهيوني
الرفيق/خالد السبئي
مصطفى الكيلاني
خفيف الظل أو ثقيله
مصطفى الكيلاني
الصحافة الالكترونية" مؤشرات ايجابية؟
صفاء القدسي
القنوات الفضائية.. ما بين " الغث" والسمين؟
ياسمين غالب
الصيام يرفع من معدل الذكاء عند الصائم
الكاتب
الـمـزيـد
جميع الحقوق محفوظة © 2010-2020 حزب البعث العربي الإشتراكي-قطراليمن
برنامج أدرلي الإصدار 7.2، أحد برمجيات منظومة رواسي لتقنية المعلومات والإعلام - خبراء البرمجيات الذكية
انشاء الصفحة: 0.029 ثانية