التاريخ : الإثنين 21 أغسطس-آب 2017 : 04:59 مساءً
د. سليم بركات
طباعة المقال طباعة المقال
RSS Feed قضايا فكرية
RSS Feed د. سليم بركات
RSS Feed ما هي خدمة RSS 
د. سليم بركات
بين التصهين الأمريكي والتأمرك العربي
الحالة العربية إلى أين...!؟
المفاوضات المباشرة بين الحقيقة والوهم
أزمة الملف النووي الإيراني.. إلى أين؟

بحث

  
خطاب الإسلام السياسي .. تعرّيه تناقضاته؟..
بقلم/ د. سليم بركات
نشر منذ: سنتين و شهر و 12 يوماً
الخميس 09 يوليو-تموز 2015 04:03 م

لم يعد مفيداً التلهي بتوصيف خطاب "الإسلام السياسي" في الوطن العربي، تجاه هل هو مخطط امبريالي صهيوني رجعي، أم هو حراك وثورة؟، وإنما يبدو مفيداً رصد أفعاله الإرهابية من أجل لملمة العبرة والاستفادة من الدروس، بعد ليل عربي طويل تميز بالقلق على حاضر ومستقبل الوطن العربي حتى لا يعاد ترتيبه بما يتوافق والمخططات المتماهية مع أحلام العرب في الوحدة والتحرر، وهي أحلام تتحرك بهم نحو مسار مختلف عن اللحظة التي حكمت تفكيرهم عقب انطلاقة ما سمي "الربيع العربي"، وبعد إدراكهم لما جرى من أحداث دبرتها الشبكة المترابطة المعادية لتحرر الأمة العربية وتقدمها.
واليوم، ليس بوسع أحد أن يتجاهل الخطاب الممارس من قبل حركات الإسلام السياسي بدعم امبريالي صهيوني رجعي، والمرتبط أشد الارتباط بقوة الولايات المتحدة الأمريكية التي تبحث عن مصالحها بقوة السلاح، وتجارته، فضلاً عن مخاطر الابتزاز والارتهان والمساومات الإقليمية والدولية، التي افتعلتها في مواجهة الشعب العربي، والتي تمنعه من النهوض والتطور لسنوات طويلة قادمة.
والمفارقة أن بعضاً من خطاب هذه الحركات كان إلى ما قبل ما يسمى بالربيع العربي يجتهد نفاقاً لإضفاء الشريعة على النظم العربية القائمة، وعلى حرمة الاستعانة بالأجنبي، ليتحول بين ليلة وضحاها ضد هذه الشرعية، ومع الاستعانة بالأجنبي، مسخراً الدين مطية لذلك، ومقدماً من الفتاوى اللا دينية ما يفيض عن حاجة واشنطن وإسرائيل، ومن أجل هدر الدماء، وارتكاب المجازر.
والواقع أن نظرة فاحصة لهذا الخطاب تكشف عن تناقضات اجتهادية فاضحة في بنيته الفكرية والسلوكية، فهو يجتهد دينياً في العراق بما هو مناقض لاجتهاده في ليبيا، ويجتهد في مصر بما هو مخالف لاجتهاده في فلسطين، ويفتي هذا الخطاب في سورية بما هو مخالف لإفتائه في اليمن، ويفتي في اليمن بما لا يفتي فيه في البحرين، والسبب في كل هذه التناقضات، هو الصفقات السرية المتفق عليها بين حركات الإسلام السياسي وأسياده ومسيريه ومشغليه في واشنطن وإسرائيل، ممن سخروا وسائل إعلامهم لنصرته، تمهيداً للوصول به إلى قمة السلطة حرصاً على مصالحهم.
إن الازدواجية التي يمارسها الغرب بين الإسلام السياسي وغيره من تنظيمات سياسية تفتح النقاش حول ارتباطات الغرب بهذا الإسلام المزيف، ومن يراقب بدقة هذه الازدواجية الممارسة يصاب بالدوار مما يرى ويسمع، حيث يجد أن إخوان مصر ضد أية عملية سياسية في العراق، وأن حركة حماس التي تعد نفسها حركة مقاومة تتردد في مواقفها من أولوية الصراع مع إسرائيل، كما يجد أن الحكومة التركية المتحالفة مع الإخوان المسلمين على وفاق مع الكيان الصهيوني مع أن مواقفها الإعلامية عالية النبرة فيما يخص القضية الفلسطينية، كما يجد أيضاً مسارعة هذه الحكومة للتدخل في الشؤون الداخلية السورية من أجل إسقاط النظام المناهض للكيان الصهيوني، راضية لنفسها أن تكون رأس الحربة في الحرب على سورية المقاومة.
هذا غيض من فيض في تناقض مواقف الإسلام السياسي وتباينها، والتي لا تستند إلى أي فقه شرعي، ولا إلى عقيدة دينية، وإنما إلى سفسفات الإسلام السياسي المتصهينة، التي تستبعد من يخالفها الرأي، ولأن ما تقره منظومته الفكرية هو الحقيقة كما تدعي، فيما البشر وفقاً لتطبيقات الإسلام السياسي، كما هم بالنسبة لأسياده، إما أن يكونوا معه، أو ضده، وربما هذا ما يدفع حركات الإسلام ومجموعاته إلى تكفير الآخر عند أي شك فيه أو شبهة.
وفي التمحيص عن دوافع هذا السلوك، نكتشف أن للإسلام السياسي مرجعية سياسية وتمويلية، تملي عليه هذه المواقف المتناقضة، وهي مرجعية لها حساباتها ومصالحها، ولما كان هذا الإسلام السياسي بطبيعته هو غير حواري، وغير منطقي وغير ديمقراطي ويجعل من المنتمي له سهل الانقياد، ويمكن توظيفه في أكثر من تيار، واستخدامه في أكثر من نموذج، فهو يتحكم بعقول مريديه وبسلوكهم طبقاً لما تمليه مرجعيته، أكانت تركية، أم سعودية، أم قطرية، وقس على ذلك تأثيرات المرجعيات الأخرى، التي تحول المال إلى لاعب مؤثر في البشر، ولاسيما ضعاف النفوس منهم، لتحويلهم إلى قوة مستخدمة من قبلها كيفما تشاء وتشتهي، وإن واقعاً كهذا يعطي التفسير الدقيق والصادق لممارساته الإرهابية على الساحة العربية تحت شعارات ما يسمى بالربيع العربي، الذي دمر ما يمتلك العرب من قيم وحضارة.
أضف إلى ذلك أن الخطاب الذي يقدمه الإسلام السياسي عن تداول السلطة والتعددية السياسية والفكرية يتناقض مع فاشيته، ومع ما دأب على قوله في اعتماد الديمقراطية، التي يعتبرها من المفاهيم الغربية المرفوضة والمتعارضة مع عقيدته الإسلامية، كما يتناقض مع خطابه الجماهيري الذي لا يعده خطاب إظهار، بقدر ما يعده خطاب إخفاء، ومواربة، يبطن الرغبة بالوصول إلى السلطة عبر الانتخابات.
إن خطاب الإسلام السياسي خطاب إيديولوجي له أهدافه وآلياته لدى أصحاب المصالح، ولما كانت القدرة الامبريالية الصهيونية هي من أوجدت تنظيماته، ومكنتها في الوطن العربي تحت تأثيرات التدخل المباشر في الشؤون الداخلية للبلدان العربية، فلا بد لصاحب العقل السليم من اكتشاف الدور الكاذب لحركات الإسلام السياسي وتنظيماته، ولاسيما فيما يخص تمسكها بمبدأ تداول السلطة الذي لم يسبق لها أن مارسته لأكثر من مرة واحدة، إذ كيف يمكن أن تكون صادقة في ممارسة هذا المبدأ، وهي ترفض الآخر لمجرد اختلافها معه في فهم الدين، أو في الدين نفسه.
وهنا لا بد من الإشارة إلى دور المؤسسات البحثية الغربية الداعمة لهذا الإسلام السياسي داخل الوطن العربي وخارجه، والتي عكفت على دعم المراكز البحثية لهذه التنظيمات، لا بل الإشراف على أبحاثها السياسية والاجتماعية، والتي يتولاها مختصون محليون معتمدون من الخارج، وممولون مالياً من قبل دول التبعية بأوامر من مراكز القرار الامبريالي الصهيوني لتكون في خدمته، وتحت سيطرة أجهزته الاستخباراتية المكلفة باختراق الجسد العربي وتحطيمه.
إن خطاب الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة، الذي يتبناه الإسلام السياسي بوحي من الغرب، هو خطاب للتعمية والاستغفال، وهو غير ما تؤمن به دول الغرب وتمارسه في مجتمعاتها، هذا، وإن الغاية من مشاركته في العملية السياسية المحلية في الوطن العربي هي الهيمنة لإيصال من هو أطوع في سماع الأمر وأقيد في تلبية المصالح إلى قمة السلطة، وهنا يكمن مقتل الإسلام السياسي الذي لم يجرِ أي تعديل على فهمه منذ قرون، نتيجة العطب الذي أصاب عقله، وجعله فاقداً القدرة على التحرر من الموروث التاريخي المشتغل بالعصبيات القاتلة الممزقة للنسيج الاجتماعي العربي، بعد أن تحيله إلى مناحرات طائفية بديلة للمواطنة القائمة على الحقوق والواجبات، الأمر الذي يعري مواقف الإسلام السياسي المواربة والمتخلفة والبعيدة كل البعد عن معطيات العصر في التطور والتقدم.
في إحدى زياراته إلى القاهرة وقف أردوغان في مقر الجامعة العربية متباهياً بإنجازات أجداده ومفتخراً بأعمالهم، لكنه كان في وقفته هذه بعيداً عن قول الصدق، لأن الحقيقة تقول: إن انحطاط العالم الإسلامي كان قد بدأ مع وصول أجداده إلى بغداد، ليحولوا المنطقة إلى ساحة من الفتن والحروب التي لم تقف عند حدود المنطقة العربية والعالم الإسلامي، وامتدت إلى داخل الأسرة العثمانية ذاتها لتدخل أجداده في حروب النزف المتواصل، الذي أدخل الدولة العثمانية في حالة من الانحطاط، شجعت الغرب على غزوها واقتسامها بعد أن دخلت مرحلة الرجل المريض، وهو غزو بدأ بحملة نابليون بونابرت على مصر، وانتهى بمعاهدة سايكس بيكو، وهذا التاريخ المظلم للدولة العثمانية لم يحل في الوطن العربي من جديد، لولا تحالف الإخوان المسلمين مع أردوغان، ولولا قبول هؤلاء الإخوان بالروح الشريرة للعثمانية الجديدة.
إن ما نخشاه اليوم هو أفغنة العالم العربي على يد الإسلام السياسي وصوملته، وتقسيمه، وما نخشاه أكثر أن من رحم هذا الإسلام السياسي قد خرجت القاعدة أم داعش وأخواتها والحبل على الجرار، وتستتبع ذلك صعوبة توليد الإشكاليات والقضايا التي تمكن الاستفادة من التجربة، غير أن ما نتمناه ألا يكون الشوط طويلاً في مواجهة الإرهاب، لأن هذه المواجهة تستوجب شجاعة من هو حريص على امتلاك المستقبل.

د. سليم بركات
أستاذ الفلسفة في جامعة دمشق

تعليقات:
تعليقات:
ملحوظة:
    قيامك بالتسجيل وحجز اسم مستعار لك سيمكنكم من التالي:
  • الاحتفاظ بشخصيتكم الاعتبارية أو الحقيقية.
  • منع الآخرين من انتحال شخصيتك في داخل الموقع
  • إمكانية إضافة تعليقات طويلة تصل إلى 1,600 حرف
  • إضافة صورتك الشخصية أو التعبيرية
  • إضافة توقيعك الخاص على جميع مشاركاتك
  • العديد من الخصائص والتفضيلات
للتسجيل وحجز الاسم
إضغط هنا
للدخول إلى حسابك
إضغط هنا
الإخوة / متصفحي موقع حزب البعث العربي الإشتراكي-قطراليمن نحيطكم علماُ ان
  • اي تعليق يحتوي تجريح او إساءة إلى شخص او يدعو إلى الطائفية لن يتم نشره
  • أي تعليق يتجاوز 800 حرف سوف لن يتم إعتماده
  • يجب أن تكتب تعليقك خلال أقل من 60 دقيقة من الآن، مالم فلن يتم إعتماده.
اضف تعليقك
اضف تعليقك
اسمك (مطلوب)
عنوان التعليق
المدينة
بريدك الإلكتروني
اضف تعليقك (مطلوب) الأحرف المتاحة: 800
التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الموقع   
عودة إلى قضايا فكرية
قضايا فكرية
طه العامري
سورية: يوم أسقطت ( ربيع الصهاينة) ..
طه العامري
عبد البارى عطوان
زلزالاُ سياسياً" ضرب المنطقة
عبد البارى عطوان
الرفيق/خالد السبئي
يوم الفخر والنصر.. من اليمن تحية إجلال وإكبار الى سوريا حامية العرب والعروبة.!
الرفيق/خالد السبئي
خالد المنصوب
كرت أنحرق وكرت يظهر
خالد المنصوب
عبد البارى عطوان
تجاهل الاعلام لضحايا العدوان السعودي على اليمن
عبد البارى عطوان
ماجدى البسيونى
اغتيال السيسى أمريكيا..!
ماجدى البسيونى
الـمـزيـد
جميع الحقوق محفوظة © 2010-2017 حزب البعث العربي الإشتراكي-قطراليمن
برنامج أدرلي الإصدار 7.2، أحد برمجيات منظومة رواسي لتقنية المعلومات والإعلام - خبراء البرمجيات الذكية
انشاء الصفحة: 0.023 ثانية