التاريخ : السبت 19 أغسطس-آب 2017 : 06:49 مساءً
د. عصام التكروري
طباعة المقال طباعة المقال
RSS Feed نقطة ساخنة
RSS Feed د. عصام التكروري
RSS Feed ما هي خدمة RSS 
بحث

  
دم أطفالنا ليس لغسيل عاركم
بقلم/ د. عصام التكروري
نشر منذ: 3 سنوات و 11 شهراً و 16 يوماً
الأحد 01 سبتمبر-أيلول 2013 10:17 ص

في عام 1992 أعلنَ فرنسيس فوكوياما «بأنَّ الأمم المتحدة هي أفضل آلية تستطيع من خلالها الولايات المتحدة الأمريكية أنْ تمارس دورها في عالم أحادي القطب بشكله الأمريكي»، في ذلك التاريخ، بدا مفهوماً أنْ تلجأ القوة المنتصرة في الحرب الباردة لممارسة هيمنتها سواء على حلفائها أم على جميع أعضاء المنظمة الأممية، تلك المنظمة التي كانت منصةً لحربٍ لم يكنْ فيها بارداً إلا الرؤوس التي أدارت حروب القوتين العظميين، حروبٌ خاضها الحلفاء بالوكالة عنهما.
التطبيق العملي الأول لتلك العبارة جاء مع أزمة كوسوفو حيث تحوّلت أروقة الأمم المتحدة إلى ساحة صراع حقيقية بين الأمريكيين وحلفائهم، من جهة، والروس الذين ورثوا مقعد الاتحاد السوفييتي في مجلس الأمن من جهة ثانية، فهؤلاء اعتقدوا خطأ أنهم مازالوا قادرين على ممارسة الدور السوفييتي التليد، ليثبت لهم الصراع على يوغسلافيا عكس ذلك، فمع انفجار الأزمة في كوسوفو، في أوائل عام 1998، أصدر مجلس الأمن قراره الرقم 1160 تاريخ 31/3/1998، والذي أيّد فيه الجهود السلمية لحل النزاع، وأدان أعمال العنف والإرهاب تجاه المدنيين، سواء التي تمارسها قوات الجيش والشرطة اليوغسلافية، أو التي ينفذها جيش تحرير كوسوفو، تبعه بالقرار 1199 في أيلول 1998 ـ تحت الفصل السابع ـ والذي اعتبر فيه أنَّ الوضع في كوسوفو يمثل «تهديداً للسلم والأمن في المنطقة»، متوعداً « باتخاذ« إجراءات إضافية، للحفاظ على السلم والاستقرار في المنطقة». لكن مجلس الأمن لم يستطع اتخاذ أي إجراء إضافي آخر -كالتدخل العسكري- بسبب المعارضة الشديدة للروس لذلك، هنا استشعرت واشنطن وحلفاؤها الأوروبيون أنَّ الموقف الروسي فيه عودة لمنطق الحرب الباردة مع اختلاف جوهري هو أنَّ روسيا باتت عملاقاً بقدمين من ورق، وأنَّ ثقلها الاقتصادي والسياسي العالمي لا يخولها عرقلة إرادات دول الفيتو القادرة، من هنا قررت أنْ تمرغ أنَفَة الروس بوحلِ كوسوفو فكان الهجوم العسكري الدوي لحلف الناتو في 24 آذار 1999 من خارج إطار مجلس الأمن، هجوم ترافق على الأرض مع هجوم مماثل شنّه جيش تحرير كوسوفو (صنيعة ليبرمان) على معاقل القوات الصربية الحكومية.
جاءت الحرب على العراق في آذار 2003 لتعمّق الصلف الأمريكي في عالم أحادي القطب، صلفٌ عبّر عنه احد موظفي إدارة بوش الصغير حينما صرّح -حسب تشومسكي في كتابه الهيمنة أو البقاء- في خضم نقاشات مجلس الأمن حول العراق ـ بأنه «إذا كان مجلس الأمن يريد أن يكون ذا معنى فعليه أن يمنح للإدارة الأمريكية ذات الصلاحيات التي منحها إياها الكونغرس»، هذا الأمر لم يحصل.
وكان الروس يراقبون «الحاوي» الأمريكي كولن باول وهو يستعرض «العينات الكيماوية المأخوذة من مصانع صدام»، و ليُفاجئ العالم بأبواب جهنم الأمريكية تُفتح على العراق الذي كان خاويا حتى من مادة الكلور المنزلي بسبب سنوات الحصار، و بعدها أمرت واشنطن مجلس الأمن بشرعَنَة احتلالها للعراق ففعل و كان ما حصل لم يكن جريمة عدوان بحسب القرار (3314) لعام 1971 والصادر عن الجمعية العامة بدورتها التاسعة والعشرين.
الكِباش الأمريكي الروسي بدا حاداً إبان التدخل العسكري المباشر لحلف الناتو في ليبيا وبمباركة دول الجامعة العربية عدا سورية، وخلافاً للقرار 1973 تاريخ 18 آذار 2011. لم تعترض روسيا على هذا القرار لدى صدوره لأنه نصّ على فرض حظر جوي يبيحُ استخدام القوة العسكرية لتأمين حماية المدنيين، ولاحترام فرض الحظر، لكن هذا القرار لم يلبث أنْ تحوّل إلى حرب شاملة قادتها واشنطن وحلفاؤها من «عرب» وعجم «بهدف الإطاحة بالعقيد القذافي»، هذا التغيير في الهدف من حماية المدنيين إلى إسقاط النظام أعلن عنه وعلى رؤوس الأشهاد كل من أوباما وساركوزي وكاميرون بعد أيام قليلة من اندلاع الحرب.
اليوم في النزاع السوري يبدو أنَّ الغرب مازال يراهنُ على إمكانية لدغ الروسي من ذات الجحر ثلاث مرات، فالغرب يعتقد أنَّ الروسي نسي كيف تم استدراجه إلى القرارات التي صدق عليها في النزاع في كوسوفو وفي ليبيا، والتي أخضعها الغرب لتفسيرات بهلوانية تبرر ارتكاب الناتو لجريمة العدوان على دول ذات سيادة، والغرب يعتقد أن أقصى ما يمكن لروسيا فعله بعد أن تنكشف أكاذيبه هو أن تشجب موقفه اللاأخلاقي، فهذا الغرب ما برح يعتقد أن العالم مازال وحيد القطب، ومازالت روسيا تُحكم من يلتسن السكّير، ربما لا يريد الغرب أن يُصدق أن روسيا اليوم باتت قادرة على التعاطي مع «أكاذيب الدمار الشامل الغربية»، ليس فقط لكون روسيا بلغت سن الرشد بعد حوالي ربع قرن من تاريخ تحوّل غورباتشوف إلى مروّج للبيتزا الأمريكية في موسكو، بل أيضاً لأن أكاذيب الغرب في النزاع السوري باتت تدل على نفسها لفداحتها، وإلا كيف لعاقل أن يُصدق أن واشنطن تريد «ضربة» بالمواصفات التالية: محدودة، تستهدف المراكز الحيوية في الدولة، وهدفها معاقبة الحكومة السورية فقط دون إسقاطها، لا تؤدي إلى حرب مفتوحة على النمط العراقي، لا تستدعي تدخل الحلفاء الطبيعيين لسورية، ولا يترتب عليها ضرب «إسرائيل» أو حلفائها في المنطقة. في الواقع هكذا «ضربة» ممكنة إذا -وفقط إذا- نفَّذتها واشنطن في صحراء نيفادا. يرى بعض الطارئين على السياسة أن واشنطن جادة بسعيها لضربة (وليس جريمة عدوان) بهذه المواصفات، لأنها تورطت بإعلان الحرب على سورية، وهي كدولة عظمى لا تستطيع التراجع حفاظاً على هيبتها، لذلك على السوريين أن «يمرقوها» ليحفظوا ماء وجه واشنطن، لهؤلاء نقول: نحن لم نرب أطفالنا لنغسل بدمائهم العار الأمريكي والعربي، إضافة إلى أنَّ العار هو التوءم السيامي لكل تلك الوجوه الصفراء التي تريد أن تمحو سورية من الخارطة، وجوه يؤمن حاملوها بأن السوري الجيد هو السوري القتيل أو العميل.
دكتور القانون العام - جامعة دمشق
تعليقات:
تعليقات:
ملحوظة:
    قيامك بالتسجيل وحجز اسم مستعار لك سيمكنكم من التالي:
  • الاحتفاظ بشخصيتكم الاعتبارية أو الحقيقية.
  • منع الآخرين من انتحال شخصيتك في داخل الموقع
  • إمكانية إضافة تعليقات طويلة تصل إلى 1,600 حرف
  • إضافة صورتك الشخصية أو التعبيرية
  • إضافة توقيعك الخاص على جميع مشاركاتك
  • العديد من الخصائص والتفضيلات
للتسجيل وحجز الاسم
إضغط هنا
للدخول إلى حسابك
إضغط هنا
الإخوة / متصفحي موقع حزب البعث العربي الإشتراكي-قطراليمن نحيطكم علماُ ان
  • اي تعليق يحتوي تجريح او إساءة إلى شخص او يدعو إلى الطائفية لن يتم نشره
  • أي تعليق يتجاوز 800 حرف سوف لن يتم إعتماده
  • يجب أن تكتب تعليقك خلال أقل من 60 دقيقة من الآن، مالم فلن يتم إعتماده.
اضف تعليقك
اضف تعليقك
اسمك (مطلوب)
عنوان التعليق
المدينة
بريدك الإلكتروني
اضف تعليقك (مطلوب) الأحرف المتاحة: 800
التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الموقع   
عودة إلى نقطة ساخنة
نقطة ساخنة
جمال أيوب
مفاجئا قرار الرئيس الأمريكي
جمال أيوب
إبراهيم أحمد
إسرائيل .. ترسانة أسلحة الدمار الشامل
إبراهيم أحمد
الرفيق/خالد السبئي
ال سعود الوجه الآخر للكيان الصهيوني ..!
الرفيق/خالد السبئي
الرفيق/خالد السبئي
المقاومة خيارنا .. السلام لن يتحقق مع عدو لا يؤمن بالسلام..!!
الرفيق/خالد السبئي
خالد المنصوب
مدى شرعية ومشروعية النظام السياسي باليمن
خالد المنصوب
علي القحوم
الاحتقان الطائفي وتداعياته على اليمن
علي القحوم
الـمـزيـد
جميع الحقوق محفوظة © 2010-2017 حزب البعث العربي الإشتراكي-قطراليمن
برنامج أدرلي الإصدار 7.2، أحد برمجيات منظومة رواسي لتقنية المعلومات والإعلام - خبراء البرمجيات الذكية
انشاء الصفحة: 0.033 ثانية