فلسطين من لعبة المصالحة إلى ثقافة المقاومة
د. عصام نعمان
د. عصام نعمان
صارحت اصدقائي الفلسطينيين خلال مؤتمر «المصالحة الفلسطينية: الآفاق والتحديات» المنعقد في بيروت، يومي 25- 2015/03/26، بأنه منذ نكبة فلسطين عام 1948، واجه العرب، حاكمين ومحكومين، التحدي الصهيوني نظرياً في الغالب الأعم. 

ومنذ صيف 2013، يواجه بعض العرب، حاكمين ومحكومين، تحدّياً إضافياً هو «الدولة الإسلامية- داعش»، متزامناً مع إعلان استراتيجية أمريكية عنوانها «التحالف الدولي ضد الإرهاب»، ومترافقا مع ظاهرة استشراء الشقاق السنّي- الشيعي واستغلاله من أجل: (1) مواجهة «داعش» واخواته بقدرات وموارد حلفاء الولايات المتحدة الإقليميين المحافظين لخدمة سياستها ومصالحها وأمن «اسرائيل» ولدعم أمن هؤلاء الحلفاء. (2) مواجهة قوى المقاومة العربية وحلفائها الإقليميين بتوصيفها محوراً شيعياً يخدم مصالح إيران. كل ذلك لتمكين الولايات المتحدة من استكمال تنفيذ مخططها الرامي إلى إعادة رسم الخريطة السياسية للمنطقة العربية، على نحو يخدم استراتجيتها الثلاثية الهدف: تعزيز مصالحها وحمايتها، وصون أمن «اسرائيل»، ومجابهة مخططات أعدائها ومنافسيها. ولا شك في ان «إسرائيل» تسعى إلى الإفادة من المخطط الأمريكي لتنفيذ مخططها الذاتي الرامي إلى إحاطة نفسها بمجموعة دويلات وجمهوريات موز، قائمة على أساس قبلي أو مذهبي أو إثني، وبالتالي عاجزة عن إقامة قوة رادعة ضدها.

انشغلت طويلاً قوى المقاومة الفلسطينية بمسألة المصالحة الوطنية، ورغم التوصل مراراً وتكراراً إلى عدّة اتفاقات، إلاّ أن أيّاً منها لم يجد طريقه إلى التنفيذ الكامل. مردُّ هذه الظاهرة، وغيرها من الاختلالات في مسار العرب ماضياً وحاضراً، عواملُ واسباب ودوافع شتى أهمها:

اولاً، انطواء تركيبة الأمة على تعددية راسخة ومرهقة، قوامها قبائل وطوائف ومذاهب وإثنيات متمايزة، وأحياناً متصارعة ما أسهم في إخفاق العرب، حاكمين ومحكومين، باستثناء مصر، في بناء دولةٍ وطنيةٍ قادرة على دمج مكونات التعددية السائدة وتأمين العيش المشترك المستدام في ما بينها.

ثانياً، استغلال القوى الخارجية، ولاسيما الولايات المتحدة في التاريخ المعاصر، للتعددية الراسخة المرهقة وغياب الدولة الوطنية القادرة والعادلة، وقيامها باحتلال اقطار عربية والسيطرة على مواردها والتحكم بسياساتها.

ثالثاً، نجاح التدخلات الخارجية، مقرونةً بتخلّف النُظُم السياسية القائمة، وفسادها في استدخال التحدي الصهيوني وتعزيزه، ومن ثم في تظهير تحدي الإرهاب الإسلاموي السلفي للعرب، حكومات ومجتمعات.

رابعاً، استجابةُ الأمة ومواجهتها لهذين التحديين كانتا قاصرتين، ما أدى لاحقاً إلى اندلاع خلافات وصراعات بين قوى المقاومة الفلسطينية. وقد أدى اعتماد صيغ تسووية للمصالحة الوطنية إلى فشلٍ مدو وحولها ملهاة مملة في الحياة السياسية الفلسطينية.

خامساً، في ضوء التحديات والممارسات والتحولات السالفة الذكر، تستشعر قوى حيّة فلسطينية وعربية، حاجة وجودية لمراجعة التجارب السابقة وإعادة جدولة الاولويات بتقديم الأهم على المهم، بدءاً بالانتقال من ممارسة ملهاة المصالحة الوطنية بين فصائل متناقضة في أهدافها وسلوكياتها إلى اعتماد ثقافة المقاومة، نهجاً وممارسة. لعل أهم مفاصل المقاربة الجديدة المرتجاة عشرة: أولها، اعتبار التحالف الامريكي- الصهيوني النقيض والعدو الرئيس، القومي والسياسي والامني والاجتماعي والثقافي للأمة عموماً، ولقوى المقاومة الفلسطينية والعربية خصوصاً، والانطلاق في رسم الخطط والبرامج والسياسات من هذه المسلّمة الإستراتيجية.

ثانيها، بناء ثقافة المقاومة على اساس التوافق والتضامن والتحالف بين تنظيمات وفصائل للمقاومة متقاربة، إن لم تكن متماثلة في تبنيها للمشروع الوطني الفلسطيني وفي تقويمها للمرحلة البازغة المتمثلة بتزامن التحديين الصهيوني والإرهابي وتكاملهما في وجه المشروع النهضوي العربي، ومن ضمنه المشروع الوطني الفلسطيني.

ثالثها، إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية كذراع للمشروع الوطني الفلسطيني، بما هو حركة تحرير الأرض والإنسان، وتكريسها قيادةً ومرجعية للقرار السياسي في إطار المجلس الوطني، الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني في الوطن والشتات. رابعها، تجاوز اتفاقات اوسلو ومتفرعاتها السياسية والامنية كونها حولت السلطة الفلسطينية هيئةً وظيفية في خدمة المشروع الصهيوني القائم على التمييز العنصري والاستيطان والاقتلاع والتوسع.

خامسها، اعتبار الهدف المرحلي لمنظمة التحرير هو»تغيير ميزان القوى مع العدو الصهيوني باعتماد نهج الكفاح والمقاومة والمقاطعة والوحدة» (مصطفى البرغوثي) ما يستوجب تفعيل المقاومة المدنية والميدانية، والتوافق على قيادة عليا وغرفة عمليات موحّدة لفصائل المقاومة، بغية ترفيع فعاليتها التعبوية والقتالية.

سادسها، توسيع الاعتراف بالدولة الفلسطينية وتفعيل دورها بالانضمام إلى المعاهدات والمؤسسات الدولية، ولا سيما تلك التي تمكّنها من ملاحقة المسؤولين الإسرائيليين لارتكابهم جرائم موصوفة في الأراضي المحتلة كالاستيطان، وتعذيب الأسرى، والإساءة إلى الجرحى والابادة، والتمييز العنصري.

سابعها، الفصل بين هدف بناء الدولة ومتطلباتها (بما في ذلك الانضمام إلى المعاهدات والمؤسسات الدولية) وبين خيار المفاوضات، وبالتالي رفض تجميد عملية بناء الدولة، أو تجميد المقاومة المدنية والميدانية كشرط لاستئناف المفاوضات مع العدو.

ثامنها، التنسيق بين قوى المقاومة الفلسطينية وقوى المقاومة العربية، ولا سيما في لبنان وسوريا والعراق، بغية تفعيل المواجهة ضد العدو الصهيوني وحلفائه وتشديد الضغوط عليه في مختلف المواقع والميادين.

تاسعها، بناء علاقات سياسية متينة مع الدول العربية، ولاسيما منها دول الطوق وفي مقدّمها مصر، على أساس مقتضيات المصالح العليا للمشروع الوطني الفلسطيني، وكذلك مع الدول الإسلامية التي توفّر النصرة لقضية فلسطين وفي مقدّمها إيران، ومع مختلف القوى السياسية في العالم المحبة للحرية والعدل والسلام والمعادية للعنصرية والليبرالية الاقتصادية المتوحشة.

عاشراً، تصحيح وتجديد المشروع الوطني الفلسطيني وأداء منظمة التحرير واجهزتها بعقد مؤتمر عربي- اممي جامع مرة كل ثلاث سنوات، وآخر استثنائي اذا ما دعت الحاجة، والحرص على اشراك القوى الحية، العربية والأممية، في عملية التصحيح والتصويب والتجديد.


في الخميس 02 إبريل-نيسان 2015 09:58:45 ص

تجد هذا المقال في حزب البعث العربي الإشتراكي-قطراليمن
http://albaath-as-party.org
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://albaath-as-party.org/articles.php?id=10574