الميادين... أكثر من تضامن .. قضية
بقلم / ناصر قنديل

تتعرض قناة الميادين لهجمة شرسة منسقة ومنظمة لإسكاتها بعد فشل محاولات عزلها وتشويهها والنيل من مصداقيتها، وهي القناة المولودة من رحم عمق ثقافي وشعبي نخبوي عربي عايش التحولات والإرهاصات التي مرت على بلادنا خلال نصف قرن مضى،

وحدد الثوابت التي لا يجوز إعادة مناقشتها وفق المتغيرات، بمندرجات ثلاثة، حقوق الأمة وحقوق الشعوب وحقوق المواطنين الأفراد، وتنحى عن الانحياز في ما عداها وأسماها، المتحولات مكتفيا بتركها مساحة تتقبل الاجتهاد والاختلاف لترتضي المؤسسة الإعلامية المنبثقة من هذا المستند الفكري أن تكون ساحة حوار بين التيارات التي تتجاذب الراي العام حولها .‏

- في الثوابت أقام مؤسسو القناة مشروعهم الإعلامي على، التمسك بما اسموه حقوق الأمة وفي الطليعة التمسك بكون فلسطين حقا ثابتا من حقوق الأمة، حق لا يملك احد أن يضعه في ميزان التفاوض للمقايضة أو التنازل الجزئي أو الكلي، والحق باعتبار المقاومة خيارا ثابتا للأمة حتى تسترد ارضها المحتلة وتستكمل حروب استقلالها من مشاريع الاستتباع والهمينة، أما الثابت الثاني فكان حقوق الشعوب، وفي طليعتها حق تقرير شكل نظام الحكم الذي يدير شؤونها وملء المؤسسات الدستورية بمن يعبرون عن الإرادة الحرة للشعوب وحق الاطلاع والتواصل والتعبير وتشكيل الأطر الجامعة من مؤسسات المجتمع المدني إلى الأحزاب بأنواعها وصولا لملء الميادين احتجاجا أو تأييدا، ودائما الحق بنظام حكم عادل في إدارة وتوزيع الثروة ومنظومة الخدمات، حكم يديره حكام لا مكان للفساد بينهم خاضعون دائما للمساءلة والمحاسبة، ويتصل الثابت الثالث بحقوق الأفراد بأن تحترم كرامتهم الإنسانية وحقهم بالعيش الكريم والسكن والطبابة والتعليم والوصول للمعلومات دون قيود والتعبير عن الاراء والأبحاث وممارسة الإبداع دون قيود سوى احترام الضوابط الاجتماعية والثقافية التي تمس الذوق العام والمقدسات الدينية، والحق بالوقوف أمام مؤسسات الحكم وفقا لصفة المواطنة والحصول على الخدمات المستحقة على اساسها وممارسة الواجبات الملزمة وفقا لها، والتقاضي لاسترداد حق ضائع بتكافؤ في الخصومة مع اي مسؤول أو حاكم، وانتهاء بالحق بعدم انتهاك الخصوصيات والحرمات خارج نطاق الأصول القانونية والقضائية.‏

- خارج هذه المنظومة تسامحت الميادين مع الآراء التي تخالف مؤسسيها في الرأي وفتحت لها نوافذ التعبير حتى نالت بعضا من انتقادات أصدقائها، الذين ارادوها نسخة معاكسة تنتقم لهم مما يتعرضون له من قنوات منافسة ممولة لخوض الحروب وفقا لمنهجية البروباغندا والفبركة والأدلجة العدائية والتحريض، ولم يسجل في تاريخ الميادين التعرض بالاساءة لشخص أو حزب أو حاكم او حكومة، ولا بمنع بث أو ظهور رأي أو مسؤول أو مثقف أو اعلامي أو ممثل حزب أو حكم، طلب التوضيح والرد مفترضا انه تعرض لتشويه أو أن أذى ألحق بسمعته أو تشويها اصاب رأيه او رؤيته.‏

- حاولت منظومة النفط العربي الممسكة بالاعلام العربي المعاصر والحديث بضخها أموالا طائلة بمليارات الدولارات لقيادة صحف وقنوات فضائية، نشر صورة مشوهة للميادين، على انها منظومة معادية بالتكوين للأصالة لما تدعيه من تنوير ونشر للقيم السماوية للحرية والديمقراطية، وتلك قيم لا تولد في قلب أنبوب نفط أو قصر ملك أو أمير، فيكفي لأجل تناقض النسب أن تسعى قنوات الأنابيب لتشويه قنوات الولادة الطبيعية من رحم الشعوب والنيل من استقلالها وتصويرها مرة منبرا لايران للقول أنها تخلت عن العروبة، وتارة بتطييفها للقول أنها آلة من آلات الاختراق المذهبي للساحة الاسلامية الأوسع انتشارا في العالم العربي، لكن مواظبة الميادين على رسالتها بعيدا عن ردود الأفعال والتورط بالاستدراج لحروب جانبية، من جهة، ومثابرتها على التمسك بثوابتها والتصرف بوحيها من جهة مقابلة، خصوصا مع ما قدمته المواجهات المتتالية التي شهدتها فلسطين منذ انطلاقة الميادين من فرص منحت المواطن العربي القدرة على المقارنة بين التزامات الميادين الثابتة وبين القنوات والمنابر الأخرى التي اتسمت بالاستخدام المصلحي والموسمي للقضية الفلسطينية والتعامل التكتيكي والتوظيفي معها، واخضاعها لمنظومة أولويات سياسية واستخبارية للممول الخليجي، وكذلك تعززت مكانة وصدقية الميادين بالثبات على التمسك بحقوق الشعوب والمواطنين كأفراد حيث تعرضت لانتهاك أو كانت موضوعا للتداول وعنوانا لحراك، حتى لو في ساحات يفترض أنها صديقة للميادين بقياس حقوق الأمة وعنواني فلسطين والمقاومة فتجذرت مكانتها في وجدان المتابع العربي وصارت جزءا من يوميات الكثيرين .‏

- نضجت تجربة الميادين، ونجحت أن تنتزع لقب قناة فلسطين والمقاومة، وتزيح عن عرش هذا اللقب القنوات التي تربعت عليه طويلا وصاغت مكانتها في الشارع العربي على أساسه، ونجحت الميادين في التمييز بين صفات القوى ذاتها عندما تكون في ساحات المقاومة عن صفاتها عندما تكون في ساحات أخرى، فلا تضيع حقوق بحقوق، ولا تحجب قضية قضية، ولا يسقط تميز ايجابي بسبب السقوط في سلبية أو يعذر الوقوع في سلبية بذريعة تميز ايجابي في ميدان آخر، بقيت الميادين تقيم الميادين معيارا منفصلا لكشف حسابها مع الجميع، وصارت الميادين ضيفا ثقيلا مربكا يستحيل بوجوده وتحوله شريكا لا يمكن تفاديه في سوق صناعة الأفكار والمواقف، أن تنجح حرب كسب العقول والقلوب من الآلات المهيمنة على الاعلام العربي والممولة من أنابيب النفط السوداء، فبدأت الاشارات العدائية تتنامى وتتصاعد من الحصار و المنع وتقييد الحركة والوجود في ساحات الخبر، لتصل الى السعي لايقاف البث وهو يبدأ اليوم من إنزال القناة عن القمر عربسات، الذي تملكه الدول العربية مجتمعة، ويصل حد مطالبة الحكومة اللبنانية وقف استضافتها لقناة الميادين على أراضيها والسماح لها بممارسة مهمتها الإعلامية الرفيعة، بينما تعج الفضاءات العربية بمئات القنوات المبتذلة والتافهة والمريضة، ثقافيا ودينيا وسلوكيا واجتماعيا ويعتبرها القيمون على الإعلام العربي وأقماره الصناعية إضافة ترفيهية أو تنويرا بالتعدد ويضيق صدرهم بالميادين ورقيها، لا لشيء إلا لأنها فضحتهم.‏

- المقلق هو مستوى التفكك والبلادة الذي يعيشه قطاع رجال ونقابات الإعلام والحقوق في العالم العربي، فبعدما كان التضامن دفاعا عن حرية منبر إعلامي مصدر تباهٍ من المنتمين للخط المخالف، صارت المجاهرة بالتخندق في متاريس الحرب تتم بلا وجل، وصار المؤمنون بصوابية التضامن ضحايا ثقافة شخصنة تنطلق من حساب تعامل الإعلام المستهدف مع أخبارهم أو نسبة منحهم بعضا من مساحات تأثيرها، وليس بصفتها قضية رأي عام، وصار جزء ثالث، ينطلق من الخشية على مصالحه وموقعه المهني بعدما تغولت وتواقحت آلات العقاب التي كانت أشد خجلا وتسامحا في الماضي.‏

- القضية ليست الميادين، فهي لن تعدم الوسائل للحفاظ تقنيا على أعلى درجات التواصل مع جمهورها، وواهمون من يفترضون أن إجراءات المنع والملاحقة ينتج عنها ما هو أكثر من تنوير شرئح جديدة من الرأي العام على أهمية القناة، القضية هي قضية صناع الرأي العام في العالم العربي، ورد الاعتبار لمنظومة قيم تتصل بمسألتي الحرية والديمقراطية، وقضية الميادين قضية الحرية والديمقراطية بامتياز فكيف لا يتخذها كقضية بمعزل عن الموقف السياسي، أهل الزعم بأنهم أهل الحرية والديمقراطية عنوانا للانتصار لقضيتهم ورفع منسوب التمسك بقيم يفترض أنها رسالتهم كأولوية هتكوا آذاننا وهم يقولون بتقدمها على قضية المقاومة وفلسطين، وكيف يقيسون بالسياسة قضية، و هل تبقى حرية وديمقراطية عندما يصير الانحياز مشروطا بالتوافق أم هذه شروط أخل الديكتاتورية والشمولية؟‏

- النداء لأهل الإعلام والحقوقي العالم العربي أن تحركوا واكتبوا واعتصموا وراسلوا العالم لأجلكم ولأجل القيم السامية التي تمثلون وليس لأجل الميادين، فقد منحتكم الميادين قضية .‏
صحيفة الثورة


في السبت 07 نوفمبر-تشرين الثاني 2015 06:06:03 م

تجد هذا المقال في حزب البعث العربي الإشتراكي-قطراليمن
http://albaath-as-party.org
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://albaath-as-party.org/articles.php?id=10604