حربٌ إرهابية.. فمن يتحمّل المسؤولية؟
عبد الرحمن غنيم
عبد الرحمن غنيم
في شباط الماضي، كتب باتريك كوكبورن في صحيفة “الإندبندنت” البريطانية عن الفائزين والخاسرين في سورية قائلاً: “روسيا عادت إلى الساحة الدولية كقوة عظمى، والدولة السورية لن تخسر الحرب”، وقال آنذاك: “السعودية وتركيا وقطر فشلت في تحقيق أي من أهدافهم في سورية”.
من الواضح أن كوبرن تفادى أن يذكر أمريكا وشركاءها الغربيين، كما أنه تفادى أن يذكر الكيان الصهيوني وكأن هذا الكيان لا علاقة له بما يحدث. فالحرب التي استهدفت سورية هي حرب السعودية وتركيا وقطر، وأما أمريكا وائتلاف الثمانين الذي جندته لهذه الحرب فإنه يجري التمويه عليها وعلى شركائها الغربيين، مثلما يجري التمويه على الدور الصهيوني والمصلحة الصهيونية. وعلى هذا النحو، فإن الحرب على سورية ستبدو كما لو كانت مجرد حرب عبثية يقف وراءها السعودي والقطري والتركي، وكأنما هم المستفيدون الفعليون الوحيدون من تلك الحرب. ولو كان الأمر كذلك، لكان من المرجح أن يتعذر التوافق بينهم. ولكن بما أنهم كانوا متوافقين، فمعنى ذلك أن أطرافاً، أكبر منهم، هي من وفقت بينهم وسخّرتهم.
على أية حال، المشكلة الآن ليست في تحديد من انتصر حقاً، فمن انتصر حقاً بات معروفاً، أما من انهزم حقاً فهو من كان المخطط الشيطاني يسعى الى تمكينه من تحقيق أطماع “إسرائيل” في التوسع بين الفرات والنيل. وهذا ما يجعل الغرب الآن، وبكل أطرافه، يبدو مرتبكاً كل الارتباك. فأصعب ما يمكن أن يعاني منه حكام الغرب أن يفشلوا في تلبية الأهواء الصهيونية، وأن يجد المشروع الصهيوني نفسه يقف مرة أخرى أمام السؤال الكبير المتعلق بالمصير.
وإذا كانت محاولة الإجابة على هذا السؤال تتطلّب من دهاقنة الصهيونية أن يبحثوا عن بدائل للخطط التي آلت الى الفشل، والبحث عن مداخل جديدة، فإن هناك الآن مشكلة ليست بالسهلة تنتصب أمام الأمريكيين وأتباعهم. وهذه المشكلة تدور حول السؤال عن مصير الإرهابيين الأغراب الذين جلبوهم الى سورية من مختلف أنحاء الكرة الأرضية.
لو عدنا بالذاكرة الى الوراء، والى ما قاله ثعلب السياسة الأمريكية، الصهيوني العجوز هنري كيسنجر، في لحظة نشوة سيطرت عليه على إيقاع ما أسمي بـ “الربيع العربي” عام 2011، لوجدنا أن الرزنامة الكيسنجرية للحرب ومسارها كانت واضحة. فالمرحلة الأولى، والتي بدأت مع بدء الألفية الجديدة، مع حكم جورج دبليو بوش، كانت تتضمن استهداف سبع دول عربية تكون آخرها سورية، وكانت أولها العراق. وكان كيسنجر مطمئناً الى أن أحداً لن يخف لمساعدة العرب في مواجهة الحروب التي تشن عليها، وأن المخطط الذي يستهدف المنطقة العربية سيتم تنفيذه بكل سلاسة وبسرعة. بل إنه تحدث في ذلك الحين وكأن كل شيء قد انتهى بالفعل. أما الهدف التالي الذي سيكون على الولايات المتحدة وأتباعها تحقيقه فهو استهداف إيران بمجرد الانتهاء من أخذ سورية. وهنا افترض كيسنجر احتمال أن تعترض الصين على استهداف إيران، فأبدى أن المخطط سيقود الى توجيه ضربة كبرى الى الصين إذا هي فعلت. وإذا ما تحركت روسيا أخيراً للاعتراض على ما يحدث، فإن الضربة لها معدّة بدورها. ولقد لمّح في ذلك الحين الى أن أسلوب الحرب المعتمد لن يكون تقليدياً بل يعتمد على أنماط جديدة من الحرب. ومع ذلك، فإن كيسنجر لم يستبعد احتمال أن تنشب حرب عالمية ثالثة، وأن تستخدم فيها الأسلحة النووية. ولم ينس أن ينصح الصفوة الأمريكية باللجوء الى الملاجئ الخاصة المعدّة لمثل هذه الحرب لأن نتائج الحرب ستكون مرعبة حتى داخل المدن الأمريكية، حيث سيهيم الناجون من الناس على وجوههم جائعين!!
هذا السيناريو الكيسنجري تضمن في ذلك الحين شيئاً آخر كان يمكن أن يحدث بمجرد نجاح المخطط الشيطاني في ضرب إيران بعد سورية، وهو أن تقوم “إسرائيل” بتنفيذ ما أسماه “البطشة الكبرى”، حيث تعمد الى احتلال معظم منطقة الشرق الأوسط وضمها إليها، وأنها ستلجأ، في تلك الحرب، لاستخدام كل أنواع الأسلحة الفتاكة المتوفرة لديها، ملمحاً بذلك الى أسلحة الدمار الشامل.
كان كيسنجر – وهو يقول هذا كله بلا تحفظ أو تحسب – يبدو واثقاً ليس فقط من نجاح الخطة الشيطانية المرسومة المدبرة، ولكن أيضاً من أنه، وهو الذي تجاوز التسعين من عمره، قد عاش ليرى بنفسه وقائع هذه الحرب.
الآن، وفي ضوء الفشل الذي مني به مخطط استهداف سورية، ومن ثم انقطاع التسلسل الذي كان مرسوماً للمخطط الشيطاني، وفي ضوء تنبه إيران وروسيا والصين الى المخطط الشيطاني قبل أن ينجح في تنفيذ مرحلته الأولى، بات أصحاب هذا المخطط أمام وضع يفرض عليهم التفكير في الخطوة التالية. ولعل السؤال الأهم الذي يطرح نفسه عليهم الآن يدور حول كيفية التصرف مع من نجا، أو يمكن أن ينجو، من أفراد العصابات الإرهابية التكفيرية التي جرى تجنيدها من مختلف أنحاء العالم والزج بها في سورية: هل سيترتب على تركيا أن تستقبل الهاربين من أفراد هذه العصابات والاحتفاظ بهم داخل تركيا بانتظار تبلور ظروف تسمح باستخدامهم في حروب أخرى؟ أم أنه لا بد من ترك هؤلاء يعودون الى البلدان التي جاءوا منها؟ أم أن مصلحة مشغليهم تتطلب التخلص منهم بأيّ شكل من الأشكال؟
لا نظن أن الإدارة الأمريكية التي جندت، مستعينة بالأنظمة العميلة لها، هؤلاء المرتزقة ليكونوا أداة حروبها بدلاً من الاعتماد على الجيوش الأمريكية نفسها يمكن أن تميل الى فكرة التخلص من هذه الأداة، أو اتباع أسلوب في التعامل معها يؤثر على قدرة أمريكا المستقبلية على معاودة هذا اللون من الاستثمار. لكن الإدارة الأمريكية قد تجد مبدئياً مخرجاً يقضي بتوزيع الناجين من هؤلاء الإرهابيين على مواقع متعددة، بحيث لا يقتصر استيعابهم على بلد واحد هو تركيا. وهنا قد نتصور إرسال بعضهم الى اليمن وآخرين الى ليبيا وغيرهم الى أفغانستان، مع محاولة تمكين بعضهم من العودة الى البلدان التي جاءوا منها لعلهم يشكلون أنوية تنظيمية لاستقطاب أشخاص آخرين في المستقبل. ومع أن هذا الخيار الأخير يعني المخاطرة، وخاصة بالنسبة الى أوروبا الغربية، إلا أن حكام تلك الدول يمكن أن ينصاعوا للرغبة الأمريكية باعتبار أن الانصياع لها هو انصياع للرغبة الصهيونية أيضاً.
في الواقع، هذه المشكلة ليست كل شيء. فنحن نرى الآن كيف أن الكونغرس الأمريكي سارع الى التحرش بإيران من خلال قراره القاضي بتجديد العقوبات عليها لعشر سنوات قادمة، ونرى أيضاً كيف أن المسؤولين الروس قد أعلنوا عن اكتشاف مخطط هجوم إلكتروني كان يستهدف معظم القطاع المصرفي في روسيا، وكيف أن الاتحاد الأوروبي ذهب الى إقرار عقوبات ضد روسيا. وهذه التصرّفات تشير، بشكل لا لبس فيه، الى وجود توجه غربي يسعى بشكل أو بآخر الى تمكين الشيطان الصهيوني من تنفيذ خططه العدوانية – التوسعية. إنهم يبحثون عن مخارج أخرى لمتابعة تنفيذ مخططهم، ولكن بعد إدخال تعديلات على هذا المخطط. وهنا نستطيع أن نرجح بأن أمريكا ستعمل على الاحتفاظ بإرهابييها وتشغيلهم وإيجاد مصادر رفد لهم بمزيد من الإرهابيين والمرتزقة. ولا نظن أنه سيصعب عليها توزيع هؤلاء الإرهابيين على مواقع متعددة ما بين إفريقيا وآسيا وأوروبا. وهذا ما يفسر عدم جدّيتها في محاربة الإرهاب.
إن الأمر الأكيد الذي يجب أن نضعه في الاعتبار هو أن انكشاف المخطط الشيطاني بكل حلقاته قاد ليس فقط الى إفشال الحلقة الأولى من هذا المخطط، وإنما أيضاً الى وضع أصحاب هذا المخطط أمام امتحان عسير بالنسبة لأسلوب استخدام الإرهاب والإرهابيين في المستقبل. فلم يعد بوسع الأمريكي الآن أن ينفي كون الحروب الإرهابية تتم بتدبيره ولحسابه. ولن يكون كافياً تحميل السعودية وتركيا وقطر مسؤولية الحرب ومسؤولية الفشل للتغطية على الدور الأمريكي وعلى حسابات اللاعب الصهيوني التي تقف من وراء هذا الدور. وبالطبع، فإن أي مخطط تتكشف أدواته وملامحه مسبقاً يصبح تنفيذه أكثر صعوبة، كما أن الجهات المستهدفة باتت تعتبر نفسها في حالة اشتباك فعلية مع أدوات الحرب الأمريكية بكل أشكالها. وهذا ما أدى الى تقوية الجبهة المواجهة لأصحاب هذا المخطط، وإلى تمكينها من إجهاضه في أولى حلقاته.

في السبت 10 ديسمبر-كانون الأول 2016 05:13:09 م

تجد هذا المقال في حزب البعث العربي الإشتراكي-قطراليمن
http://albaath-as-party.org
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://albaath-as-party.org/articles.php?id=10639