هناك في قبو الروح حياة
لينا أحمد نبيعة
لينا أحمد نبيعة

كنت أشتم في رائحة الأمكنة كل الأشياء التي تسللت برفق لتتحول إلى ذكريات.. ذكريات كانت تشعرني بالدفء أغلب الأحيان.
كنت أمارس طقوسي ذاتها في كل زيارة لبيت العائلة.. فأسرع قبل الجميع افتح ذراعي لأحضن الصباح وأعانقه بأنانية الأطفال.. أتفقد صحة الأزهار وهل رائحتها مازالت تفي بعهود الغياب.. أحصي عدد ولادات الأشجار.. أدخل وأخرج من غرفة والدي عشرات المرات، أحمد الله أنه مازال على قيد حياتنا، ولكنني في كل مرة أخرج بكامل خذلاني، فأنا لم أعثر على أمي التي ماتت منذ عدة سنوات، فكيف لقلبي الصغير أن يحتمل فكرة الغياب.!.
أقف في غرفتي وكأني لم أغادرها منذ عشرين عاماً.. أتطلع من نافذتها الكبيرة وأراقب ندف الثلج كيف تتساقط على كل هذا القبح الذي نحن عليه الآن.!.
لاشيء قد تغير في ذاك الحي وكأني تركت طفولتي ومراهقتي منذ ساعات خلف الباب وبين أزقة حارتنا.. الطيب مازال طيباً وربما أصبح أكثر طيباً.. القبيح مازال على قبحه بل أنجب لنا الأقبح..
العاطل عن العمل مازال حتى اللحظة يبحث عن صفر ليبدأ.. بائع سجائر الدخان بالتقسيط مازال على نذالته بفارق زوجتين متصابيتين.. المدارس.. الطلاب.. كبار السن.. التقاليد.. الأعراف.. كل شيء لم يطله العمر سوى الحزن الذي صار له أشكال وألوان، وكبر فجأة وصار في كل بيت له تاريخ وعنوان.!.
أكثر ما افتقدته هو روح الأشياء وكأن الروح أصيبت بقصر النظر والإعياء. والسؤال هنا: هل للأحداث جينات وراثية تنتقل عبر الأيام..؟! أما من مجال لتحسين أو حتى تهجين تلك السلالات فنكتب ولو مرة واحدة تاريخ بنكهة السلام..؟!. لا اعلم ربما لله تدبير وحكمة في ذلك فكان ما كان..
تأتيني بنت الجيران وهي فتاة بعمر الندى.. تأتيني بسؤال واحد تنبش به أرض ذاكرتي وتعيدني لإجابات تخدش حياءً مجتمعياً إلى الآن.. قالت لي مبتسمة (خالتي ما بشوفك غير عم تقرأي ما بشوف بجزدانك غير الكتب ما بتملي؟!).
ابتسمت لها ورجوتها في سري أن تصمت فلا تملك خالتك الهشة تلك طاقة للمواجهة بعد الآن،
شيء ما يبكي بداخلي عندما لا أجيب عن تلك التساؤلات، أو ربما فقدت إجابتي بريقها لكثرة الاستعمال.
كلما ضاق بي المكان والزمان انزل القبو بداخلي.. القبو الذي تمر سنوات دون أن ننتبه إلى صدئه وغبار خيوطه التي اعتلاها العنكبوت، ولا نسعى إلى تنظيفه حتى تبدأ صدورنا بالصراخ.. فأنزل لأعيد ترتيبه فهو بحاجة لارتجاج ليصبح صالحا للحياة..
أخرج من غرفتي حاملة على ظهر قلبي المكسور أربعين عاماً من الصمت.. أخرج على صوت نحيب يأتي من مكان ليس ببعيد على مرمى قبلة وقلب.. نحيب اعتدنا عليه للأسف مذ خيمت الحرب على صدر بلادي، وزرعت الأرض شهداء.. الحرب طحنت وطناً أخضر وسلمتنا أكياس رماد..!.


في الثلاثاء 07 فبراير-شباط 2017 06:26:51 م

تجد هذا المقال في حزب البعث العربي الإشتراكي-قطراليمن
http://albaath-as-party.org
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://albaath-as-party.org/articles.php?id=10648