استفتاء السودان الملغوم
رأي القدس العربي
رأي القدس العربي
يبدو السودان هذه الايام كمرجل يغلي من شدة حرارة اجوائه السياسية، والمخططات المتزاحمة لتفتيت وحدته الجغرافية، واغراقه في الحرب الاهلية مجددا، وكأن مأساة الوضع في اقليم دارفور وتطوراتها لا تكفيه ارقا وصداعا.
السودان في انتظار العديد من المفاجآت التي لا يستطيع احد التنبؤ بها على الاطلاق. والنتائج التي يمكن ان تترتب عليها، وابرزها الاقتتال الداخلي، وتبخر مرحلة الاستقرار الحالية التي استمرت ست سنوات منذ توقيع اتفاق السلام بين الشمال والجنوب، وهي المرحلة التي نعمت فيها البلاد ببعض الرخاء الاقتصادي نتيجة عوائد النفط.
النفط الذي انعكست عائداته مشاريع تنمية وخدمات حسنت من الاوضاع المعيشية للكثير من السودانيين في الشمال والجنوب قد ينقلب الى لعنة، وعنصر مفجر للحرب الاهلية، لان الجهتين المتحاربتين فشلتا في الاتفاق على كيفية توزيع عائداته، وتحديد الحدود الفاصلة بينهما في مرحلة ما بعد اتفاق السلام.
الاستفتاء على فصل الجنوب او بقائه مع الشمال سيتم في التاسع من كانون الثاني (يناير) المقبل، حيث تشير كل التوقعات الى تصويت غالبية الجنوبيين لمصلحة الاستقلال عن الوطن الام، وهي التوقعات التي دفعت دولا اقليمية مثل مصر الى التعامل مع الجنوب كدولة مستقلة وتخصيص 300 مليون دولار كمساعدات لها لبناء البنى التحتية للدولة الوليدة.
التقارير الغربية التي قدمتها اكثر من 26 منظمة انسانية محلية ودولية، تحذر من ان الاقليم الجنوبي غير مستعد بشكل مثير للقلق للاستفتاء، كما انه لا يملك مقومات الدولة، وسيكون في حال استقلاله جيبا مغلقا بلا منافذ بحرية على العالم، ومضطرا لتصدير نفطه عبر الشمال.
مكامن الخطر متعددة، فهناك من يتحدث عن احتمالات انفجار صراع قبلي في الجنوب بين القبائل المتناحرة، فحركة تحرير السودان خلقت من الخصوم اكثر مما خلقت من الحلفاء طوال فترة حربها لانفصال البلاد. واذا لم تنفجر الحرب الاهلية بين القبائل الجنوبية المتناحرة، فمن غير المستبعد ان تنفجر مجددا بين الشمال والجنوب بسبب الخلافات النفطية، وتحديد الحصص. فالى جانب انفصال الجنوب عن الشمال، هناك استفتاء آخر سيتم في منطقة 'ابيي' الحدودية الغنية بالنفط حول انضمامها الى الشمال او الى الجنوب، فاكثر من 98' من دخل الاقليم الجنوبي هو من عوائد النفط القادمة من عمليات التصدير، ولذلك فان تصويت اهل المنطقة للبقاء في اطار الدولة السودانية قد يفجر حربا مع الجنوب.
نظام الحكم في السودان يتحدث ايضا عن وجود اعداد كبيرة من الجنوبيين يقيمون في الشمال، وخاصة في العاصمة الخرطوم، وهؤلاء سيشكلون مشكلة في حال التصويت على الانفصال، لان هويتهم ستكون ملتبسة في هذه الحالة، وهناك من يقول ان نسبة كبيرة منهم ستصوت لصالح الوحدة.
باختصار شديد يمكن القول بان الحل الامثل للخروج من حقل الالغام هذا هو تأجيل الاستفتاء لسنوات قادمة، ريثما يتم حل المشاكل المعلقة، وخاصة كيفية رسم الحدود وتوزيع عوائد النفط.
احتمالات التأجيل غير واردة حتى الآن، والضغوط الدولية على نظام الرئيس البشير تتصاعد، وكان آخرها اتهامه من قبل مجلس حقوق الانسان بارتكاب جرائم ابادة في دارفور، وتجارب السودان تؤكد ان الرئيس البشير ليس بالرجل السهل الذي يستسلم بسهولة لهذه الضغوط او غيرها، ولذلك علينا ان نتوقع العديد من المفاجآت في الاشهر الستة المقبلة.
في الخميس 22 يوليو-تموز 2010 03:48:49 م

تجد هذا المقال في حزب البعث العربي الإشتراكي-قطراليمن
http://albaath-as-party.org
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://albaath-as-party.org/articles.php?id=155