السودان ومخاطر انفصال الجنوب
محمد أحمد محمدلم تستغرب الأوساط السياسية السودانية والعربية التصريحات الواضحة التي أدلى بها سلفاكير ميارديت، النائب الأول للرئيس البشير، حين أفصح عن موقفه بشأن الاستفتاء حول حق تقرير المصير لجنوب السودان، داعياً الجنوبيين للتصويت بشكل صريح للانفصال، وقال مخاطباً الجنوبيين من إحدى الكنائس: «لديكم الفرصة للاختيار ما بين أن تكونوا أحراراً في وطنكم، أو أن تكونوا مواطنين من الدرجة الثانية في بلد موحد».
ورغم محاولات النفي المتكررة لمضمون هذا التصريح الذي رأى البعض أنه يتعارض مع اتفاقية نيفاشا التي تلزم الطرفين بأن يعملا معاً لكي تكون الوحدة جاذبة، إلا أن محاولات النفي هذه كانت غير ذات جدوى، لا سيما بعد التصريحات التي أطلقها وزير الخارجية السابق «دينق آلور» بعد ذلك بوقت وجيز، والتي أكد فيها أن الجنوب يريد «بأغلبية ساحقة» إعلان الانفصال في الاستفتاء المقرر قريباً».
وقد يثور التساؤل عن المسوغ لمثل هذه التصريحات التي تنذر بقرب تقسيم السودان في إطار مخطط يستهدفه منذ سنوات؟!.
ولعل الإجابة المختصرة عن هذا تكمن في أن التوجه نحو الانفصال قد بات أمراً واقعاً لا يمكن تجاهله، وهو لا يعبر عن مواقف بعض القيادات الجنوبية هنا أو هناك فحسب، بل إنه يعبر أيضاً عن مزاج الحركة الشعبية الحاكمة في جنوب السودان، والتي لها تأثير كبير على قرار الاستفتاء سواء بالوحدة أو بالانفصال، وبغض النظر عن الأسباب أو المبررات، فإن الاستفتاء والالتزام بنتائجه وقعت عليه حكومة السودان في بروتوكول ماشاكوس في 20 تموز / يوليو 2002، وكان هذا التوقيع محل توافق من كل القوى السياسية الأساسية في الشمال، عبر الموافقة على مقررات مؤتمر القضايا المصيرية في أسمرا 1995.
وبلا شك فإن الانفصال، في حال حدوثه، سوف تترتب عليه مجموعة من التداعيات والانعكاسات التي تقتضي أن يتم بحثها بقدر كبير من الدقة والتأني، حتى يمكن استكشاف الحلول والمخارج المناسبة لها، ومن ثم فإنه يجب مواجهة كل الاحتمالات بعيداً عن المداراة والمواربة، والتصريحات والمواقف التي تحمل أكثر من وجه، والتي قد تؤدي، في حال وقوع الانفصال، إلى عدم الاستعداد الواجب له.
إن عملية الانفصال التي خطط لها الغرب منذ سنوات، سوف تواجهها مجموعة معقدة من التحديات، أهمها على سبيل المثال وليس الحصر، أهمية الوصول إلى حلول تفاوضية متفق عليها بشأن الخلافات العديدة حول الترسيم الفعلي للحدود، والتي سوف تتحول إلى حدود سياسية وسيادية، لا سيما أن الكثير من حقول النفط تقع في الوقت الحالي حول خط الحدود أو قريبة منه، وترتبط هذه المسألة بقضية أخرى ليست أقل أهمية تتعلق بمستقبل النفط السوداني الذي ينتج أغلبه في الجنوب، استخراجاً وتكريراً وتصديراً، ثم الاتفاق على طبيعة العلاقات بين الشمال والجنوب، وأوضاع مناطق التخوم التي قد تكون مناطق استقرار وتعاون، أو مناطق تهديد وتوتر وحروب بالوكالة.
ومن ضمن القضايا ذات الأهمية الخاصة أيضاً، ضرورة الاتفاق على أوضاع الجنوبيين القاطنين الآن في الشمال، وهل يستمر تواجدهم، وبأية صيغة، بالإضافة إلى قضايا أخرى تتعلق بديون السودان للخارج والأصول المملوكة للحكومة.. إلخ، كل هذه القضايا تحتاج إلى مفاوضات وتفاهمات مسبقة، بحيث لا تنتشر تداعيات الانفصال غير المحسوبة لكي تحول مناطق عديدة في السودان إلى كرات من اللهب، لا سيما وأن الجنوب سوف يجد نفسه في مواجهة تحديات هيكلية عويصة قد تهدد استقراره الداخلي وقدرته على التماسك وتوفير الحد الأدنى من متطلبات الحياة الآمنة، الأمر الذي قد يدفع به إلى التفلت الأمني أو الحرب الأهلية الداخلية الذي سينعكس على السودان وعلى كل دول الجوار مثل اوغندا وكينيا وأثيوبيا، ناهيك عن دور العامل الخارجي الذي سوف يعمل على انتهاز حالة الاضطراب والفوضى هذه، للعمل على إعادة صياغة رسم المنطقة على قياسات مصالح خاصة.
والخلاصة هنا أن انفصال الجنوب ليس بمثل هذه البساطة التي توحي بها أحاديث البعض، كما أن آثارها لن تتوقف عند جنوب السودان أو شماله، بل سوف تشمل وتؤثر على دوائر أكثر اتساعاً بكثير، لذا فإنه لا بد من لحظ انعكاسات هذا الانفصال، وربما يكتشف الطرفان أو يقتنعان بأن التوجه إلى صيغة أخرى غير الانفصال هو الحل الأمثل لتفادي كل هذه التداعيات والمشاكل الماثلة والمتوقعة، والناجمة عن انفصال جنوب السودان الذي يدفع الغرب باتجاهه، فيما ليس ثمة ما يوحي بأن هناك فعلاً عربياً لمواجهة أخطاره التي لن تقف عند حدود السودان بالتأكيد.
في الأربعاء 08 سبتمبر-أيلول 2010 09:36:59 م

تجد هذا المقال في حزب البعث العربي الإشتراكي-قطراليمن
http://albaath-as-party.org
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://albaath-as-party.org/articles.php?id=173