إسرائيل وأسلحة الدمار الشامل
لست عالم ذرة وما أنا بعسكري، ولا أدعي الخبرة والتعمق بإسرائيل وسلاحها النووي، إذ بإمكان أي شخص أن يتصفح مواقع الأنترنت بأدوات بحث دقيقة، أو يأتي بالمراجع ويجمع مواد ذات قيمة عن سلاح إسرائيل النووي. سأعرض بداية بعض البيانات التي يعرفها الآخرون، أو ما هو مطلوب أن يعرفوه، وما تعمل مراكز بحوث ودور علم النفس على نشره وبثه، علناً أو تهريباً أو تسريباً، عن أسلحة الدمار الشامل الإسرائيلية، ولكني سأذهب إلى زاوية ننظر من خلالها لهذا الموضوع بمنظار مختلف، ولنناقش الأمر برؤية مختلفة.

يذكر مركز الحد من انتشار أسلحة الدمار الشامل الأمريكي أن إسرائيل تملك مابين مئتين إلى أربعمئة رأس نووي يمكن إطلاقها عبر صواريخ بالستية أو عبر الطائرات، ولديها ترسانة كبيرة من الأسلحة النووية الحرارية ومفاعل لإنتاج الماء الثقيل بقدرة 150 ميغاواط في موقع ديمونة، بالإضافة إلى مفاعل لمعالجة البلوتونيوم وتخصيبه، وهي غير خاضعة للمراقبة أو التفتيش، وإسرائيل لم توقع معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، أو الأسلحة الكيميائية، ويذكر المركز أن إسرائيل لديها برنامج للأسلحة الكيميائية الفتاكة، وقدرة إنتاجية عالية لغازي «المسترد»، و«الأعصاب»، وبخصوص الأسلحة البيولوجية، فإن لديها قدرة إنتاجية عالية، وهي تطور بحوثاً مكثفة في معهد (زيون) منذ عام 1948 عبر تعاون لصيق مع مختبرات أمريكية.

مواقع إسرائيل النووية
«ديمونة» فيه مفاعل نووي ومصنع لإعادة معالجة البلوتونيوم قدرته 150 ميغاواط ويعمل فيه 2700 عالم وتقني، و«ناحال سوريك» يعمل فيه 200 عالم وتقني وقدرته 18ميغاواط، و«كيشون» للبحث العلمي وقدرته 5.25 ميغاواط، و«النبي روبين» و«كفار زخريا» و«رفائيل» و«بئر يعقوب» و«عيلبون»، كلها موجودة في المناطق العربية وهي محروسة حراسة مشددة.. الرسالة المراد إيصالها من ذكر هذه التفاصيل هي الخطر والإرعاب والإرهاب لتحقيق حالة اليأس والاستسلام في الجانب الآخر.

التجارب النووية
عام 1960 سمحت فرنسا لخبراء إسرائيليين بحضور تجربة أجرتها في صحراء الجزائر، وفي عام 1966 نفذت إسرائيل تجربة في نفق على الحدود الفلسطينية-المصرية، حدثت إثرها هزات في صحراء النقب وسيناء، وفي عام 1979 التقط قمر صناعي أمريكي وميضاً إثر تفجير نووي في المحيط الهندي قامت به إسرائيل بتنسيق مع جنوب أفريقيا العنصرية.

أنظمة الإطلاق
الطائرات الهجومية القاذفة للسلاح النووي:
حصلت إسرائيل بداية على طائرات فانتوم وسكاري هوك واف 16 التي تشكل الخطر الأكبر في ترسانتها الهجومية، وفي نهاية التسعينيات حصلت على خمسين طائرة اف16 بقيمة 2.5 مليار دولار تم استلامها بين عامي 2003 و2005، وكان العقد يسمح بشراء ستين طائرة إضافية، أما الرؤوس النووية فهي تنتشر في عدة قواعد جوية إسرائيلية، وفي عام 1998 استثمرت إسرائيل في شركة بيونغ لتصنيع نوع من القاذفات أطلق عليه اسم «راعام» الرعد، حمولة الطائرة عند الإقلاع 37 طناً، وتستطيع حمل 11 طناً من الذخائر، يصنف هذا النوع من الطائرات في أمريكا بحامل للأسلحة النووية، ويقال إن دورها في إسرائيل غير واضح، هذه العبارة تخلق حالة غموض مع ميل أكثر للتأكيد، تم تطوير الطائرة المذكورة في إسرائيل، وزودت برادار متطور جداً، والقنابل التي تحملها هذه الطائرة مخزنة في منطقة تدعى (تل نوف)، وفي هذا تأكيد للمكان والنوع والهدف.. نلاحظ هنا تأكد الخطر، فلا تكون هذه الأسلحة حقاً خطيرة إلا عند توفر منظومات إطلاقها التي تؤكد خطرها الكامن في التدمير الشامل، ومكمن الخطر هو أن إسرائيل صنعت أو اشترت منظومات عالية التعقيد لضمان إيصالها لأهدافها.
الصواريخ:
بداية تم تصنيع صاروخ «أريحا» Jericho في فرنسا وركب عام 1966، وهو يطلق من قاعدة ثابتة أو متحركة، مداه 250 - 500 كم، ويمكن إطلاق 8 صواريخ في الدقيقة الواحدة، وبعد حظر فرنسا الأسلحة عن إسرائيل قامت الأخيرة بتطوير نسختها، وبحسب تقارير أمريكية فإن هذا السلاح ليس مصمماً لحمل رؤوس نووية، نلاحظ هنا أن هدف هذه التقارير هو تثبيت الرعب، تبع ذلك أريحا2 وأريحا3، ويعتبر أريحا2 توءماً للصاروخ الأمريكي بيرشنغ2، تملك إسرائيل خمسين صاروخاً من هذا النوع تتموضع بالجنوب الشرقي من تل أبيب (قاعدة زكريا)، أما آخر نموذج «شافيت» فهو يصل لكل الشرق الأوسط وروسيا والهند والباكستان، يستخدم أريحا2 وشافيت لإطلاق أقمار صناعية يصل مداها إلى 7000 كم.
الصواريخ ذات القواعد البحرية والغواصات:
يميزها نجاتها من أي خطر محتمل، كما أن تهديدها واسع الطيف، ومراقبتها شبه مستحيلة، تمتلك إسرائيل 5 غواصات حصلت عليها من ألمانيا طول الواحدة 75.3م ووزنها 1900 طن وسرعتها 20 عقدة وطاقمها 35، كلفة الغواصة الواحدة 300مليون دولار، «من غير المعروف إن كانت هذه الغواصات قد زودت بصواريخ نووية أم لا». يلاحظ من هذه العبارة الأخيرة الميل لإبقاء حالة الغموض والتحسب وإثارة القلق تحت يافطة التعمية، حيث إنه من المعروف أن هذه الغواصات هي أصلاً قابلة لذلك، ترفق معلومة بعد ذلك مباشرة، وهي أن إسرائيل طلبت من أمريكا تزويدها بـ 12 صاروخ توماهوك، ومعروف أن هذه تحمل على هكذا غواصات، ويتبع ذلك أيضاً بنوع من الصواريخ تصنعه إسرائيل، ومن المعروف أيضاً أن أي تردد بتوريد المطلوب كان محفزاً لمصانع الأسلحة الإسرائيلية على تصنيعه، نجد هنا أن تطوير منظومات الإطلاق الإسرائيلية ليس إلا تحفيزاً يجعل من هدف امتلاك قوة نووية أولوية عالية، وهنا تذكر الوثائق أن إسرائيل أنتجت ثلاث نسخ من صاروخ (هاربون) الأمريكي يطلق من السفن والغواصات، كما أن إسرائيل تمتلك أيضاً صواريخ تدعى (دليلة) أي النجم وهو صاروخ كروز بمدى 400 كم، إضافة إلى صاروخ جبرائيل 4 المضاد للسفن مداه 200كم، كما تمتلك نوعاً آخر وهو صاروخ (الحربة القاتلة) ومداه 500كم.
الأسلحة التكتيكية
هناك تقارير تشير إلى وجود قذائف وألغام للدمار الشامل في إسرائيل، والقذيفة لا تذهب بعيداً، ويتابع هنا: من الصعوبة بمكان معرفة كيفية استخدام إسرائيل لسلاح كهذا ضد الدول المجاورة دون التأثير على نفسها، أي أن إسرائيل تستطيع حتى إنجاز دمار شامل محدود! ونلاحظ من هذا الكلام الرغبة في الإبقاء على المستهدف - بالرسالة الإعلامية إياها - في حالة بين الشك واليقين ولتأكيد الرعب.
وللمزيد من بث الرعب، هناك حديث عن انخراط إسرائيل في تسلح الفضاء، وتجذر التعاون الوثيق بين أمريكا وإسرائيل عبر التمويل والشراكة في التصنيع، وهذه بعض الأمثلة عن ذلك: - صاروخ سهم arrow 1و2.
 - صاروخ شافيت الذي طور لاحقاً لمدى 4500كم.
- صاروخ أريحا Jericho الجيل الجديد الذي يصل مداه إلى 7000كم ويمكن التدخل البشري بمساره في مختلف مراحل الإطلاق.
- تطوير جيش رقمي ، وهو واحد من اثنين في العالم.
وزيادة في بث الرعب نجدهم يتحدثون عن إسرائيل وتجارة السلاح، فقد بلغت ميزانية إسرائيل التسليحية 8.9 مليار دولار عام 2002، وهذا يشكل 9.8٪ من ميزانيتها العامة، مع العلم أن المعدل الوسطي العالمي هو 2.6٪، وقد وصل مبيع إسرائيل من الأسلحة لدول العالم 6.3مليار دولار عام 2001، أي تكريس الفكرة بأن إسرائيل ترسانة حربية، كما أن إسرائيل تبيع السلاح لـ 51 دولة في العالم، وهي أكبر مصدر سلاح إلى الهند (3 مليارات دولار)، ويذكر أنه بين عامي 1978 و1984 صرف 21٪ من ميزانيتها على السلاح، وبين عامي 1973 و1982 صرف 50٪ ومعظمها أتى من أمريكا، كما أنه من الملاحظ أن معظم قادتها جنرالات.
ولتوسيع دائرة الرعب أكثر نجد بحوثاً عن شراكة إسرائيل مع حلف الناتو، والرسالة: من يمكنه مقاومة الناتو، إذا كان الاتحاد السوفييتي لم يستطع!! وعناصر الشراكة مع الناتو حسب الأمين العام للحلف تتمثل بـ : - حرب إسرائيل على الإرهاب. - المناورات المشتركة. - خبرة عسكرييها النادرة.
ويقال إن للناتو استطاعة إنهاء الصراعات مثل أفغانستان والعراق، والإشارة هنا أنه «من الممكن في يوم ما أن تحيط قوات الناتو بالدولة الفلسطينية وتحمي إسرائيل من الإرهاب الفلسطيني!!».

العلاقة الأمريكية الإسرائيلية
لا تترك قراءة أفنر كوهين مجالاً للشك بأن إسرائيل قوة عسكرية أساسية بترسانة أسلحة غير تقليدية، كومتها عبر خداع مارسته على أمريكا، هذا الشخص بالمناسبة يطالب بعودته من أمريكا كي يحاكم، وفعلياً (ليس من منطلق نظرية المؤامرة بل الواقع)، يمارس الرجل، من بين أجهزة عدة، الإرهاب الذهني واحتلال العقول من خلال تصوير الغول الإسرائيلي والقوة التي لا تقهر، يقول كوهين: إن هناك كذباً إسرائيلياً على أمريكا على أعلى المستويات، وإن هناك مصلحة أمريكية بذلك تتمثل بمنع أي تقارب آسيوي- أوروبي، والإبقاء على أوروبا مبعثرة، والروس مبعثرون عنها، والصين في واد، وروسيا في آخر ، وإن (روسيا - الصين - أوروبا)، تحالف خطر لكنه مستحيل، وإن إسرائيل تجهض أي اعتداء على المصالح الأمريكية، والخلاصة أن المساعدات الأمريكية لإسرائيل بلغت 71 مليار دولار بين عامي 1947 و1997، أيديولوجياً إن العلاقة ليست فقط مبنية على الواقعية السياسية، بل تعمقت لدرجة قول يهودي أمريكي «ما عدنا نشعر بالشتات»، وإذا حاولنا تحليل هذه العبارة تصل الرسالة: الشعور بالشتات كان نتيجة «للظلم التاريخي» الذي ولد العطف، أما الآن فإن «إسرائيل قوة لا تقهر»، أما الحقائق على أرض الواقع فهي الإيمان بقوة الردع والاستعمار الوحشي وأسلحة دمار شامل.

العقيدة الإسرائيلية الناظمة لاستخدام
 أسلحة الدمار الشامل
تختلف الدول في عقائدها الناظمة لاستخدام أسلحة الدمار الشامل، فمثلاً يلتزم كل من الناتو وأمريكا وروسيا عقيدة «الضربة الأولى»، أي أن أية قوة تقليدية يمكن مقابلتها بضربة نووية دون ابتداء العدو باستخدام سلاح نووي، وتسمى هكذا ضربة بـ «الضربة الاستباقية»، وتكون ضد جهة ينظر إليها كعدو حتى ولو لم تستخدم القوة، أما مبدأ «الضربة الثانية» - من جانب آخر- فيحكمه مفهوم الردع النووي أو «التدمير المتبادل المؤكد»، وكانت هذه عقيدة الاتحاد السوفييتي والصين، والفرق بين الاثنتين أنه في الثانية تستعمل الأسلحة رداً على أي هجوم نووي أو سلاح دمار شامل.
أما في إسرائيل فليس هناك استقرار على عقيدة بعينها، لا الأولى ولا الثانية أو حتى ربما ثالثة، فخلال حرب 1973 تذكر المصادر أن إسرائيل كيفت أسلحتها التقليدية ومكنتها من القدرة على إطلاق صواريخ نووية، وفي عام 1998 عندما كان نتنياهو رئيساً للوزراء لأول مرة جرت مراجعات للعقيدة النووية وترأس المناقشات وقتها «ديفيد أفري» (قائد سابق لسلاح الجو ومدير عام سابق لوزارة الحرب المسؤولة عن السلاح النووي)، حيث صرح بأن إسرائيل بحاجة إلى قوة رادعة تنفذ «الضربة الثانية»، في موقف مغاير لما كانت عليه العقيدة في الستينيات والسبعينيات من القرن المنصرم. من جانب آخر دعا اسحق بن إسرائيل رئيس بحوث التسليح وإدارة التطوير العسكرية في وزارة الحرب، إلى تبني إسرائيل عقيدة «الضربة الاستباقية»، وأضاف أنه إذا ما اتبعت إسرائيل عقيدة «الضربة الأولى»، سيكون هناك تحد عدواني لمعظم القوى العالمية، يقول: «كدولة صغيرة لا يمكننا خوض حرب طويلة الأمد، فالضربة الأولى الاستباقية تتماشى مع خطنا».
 وهكذا نرى التذبذب والغموض في المواقف، والأمر الذي كان يثير مثل عدم الاستقرار هذا على موقف بعينه هو القوة الإيرانية النووية المزعومة، حيث كان الإسرائيليون يرفضون تصديق التقديرات الروسية أن القوة النووية الإيرانية أغراضها سلمية بحتة، والمفارقة تتمثل بأنه إذا كان هناك من تطوير للقوة النووية الإيرانية باتجاهات غير سلمية فما ذلك إلا نتيجة للسياسات النووية الإسرائيلية وخطر أسلحة الدمار الشامل الإسرائيلية، أكرر هنا أن تطوير منظومات إطلاق الصواريخ لم يكن إلا تحفيزاً يجعل من هدف امتلاك قوة نووية أولوية عالية.
يرى أفراهام سنيه، رئيس لجنة الدفاع في الكنيست الإسرائيلي، أن الردع المتمخض عن سياسة الغموض المتبعة لم يعد يجدي، وأن على إسرائيل أن تستثمر بضعة مليارات في تطوير «ضربة ثانية»، أو قدرة «لضربة استباقية»، وقول سنيه هذا لا يزيد الغموض إلا غموضاً، حيث إنه بالنسبة لإسرائيل ليس هناك عمق استراتيجي، فالمسافة من النهر للبحر 74 كم تقطع بأربع دقائق، ومعروف أنه ليس هناك إمكانية لخسارة حرب واحدة لأن ذلك يعني النهاية.
لقد تم اختيار بعض العناوين لبحوث ومقالات تخاطب أسلحة الدمار الشامل الإسرائيلية، ومعظمها إن لم يكن كلها يؤكد الطروحات الغامضة والمهددة باطنياً والتي وضعت، بقصد أو بغير قصد، لإيصال الرسالة الإسرائيلية، ومعروف أن ما لا يقل عن ثمانين بالمئة من البحوث ووسائل الإعلام تسيطر عليها أمريكا وتستند إلى مراكز دراسات نفسية وبرمجة دماغية للمتلقي، ولا يمكن أن يتصورها المرء بأنها تكشف أمراً أو تفضح مسألة أو تبث رسالة مجانية تضر بإسرائيل.
 ومن هنا فإن تحليل هذه العناوين يثبت المقولات الواردة في هذا البحث، لقد أتت هذه العناوين من مصادر أجنبية وعربية، صحفية وبحثية، وزعتها في محاور تخاطب جانباً محدداً من المسألة، بالمختصر، هناك «هيصة» تتجدد من وقت لآخر لأهداف سياسية استراتيجية تتمثل بالردع عبر التخويف والحرب النفسية، فالذي تريدنا إسرائيل أن نعرفه هو أن هذه الأسلحة قدر علينا أن نعرف أنه موجود، ومن غير المعروف متى يحل أو ينهمر ونحن لا نراه ولكنه موجود في العقل الباطن وفي ثلاثة أرباع الوعي والإدراك، والأدوات المستخدمة لتحقيق الهدف هي البحوث والإعلام والخبراء والسياسيون.
نبدأ من «الهيصة» الأخيرة: «كشف تعامل إسرائيلي مع النظام العنصري الجنوب أفريقي السابق لبيع صواريخ نووية»، من الغارديان البريطانية: «إسرائيل نووية بالوثائق.. كشفتها جنوب أفريقيا».
وترانا نردد ببغاوياً في الصحافة العربية: - «البرنامج النووي الإسرائيلي يجتاح الصحف البريطانية». - « لقد أميط اللثام عن الترسانة».
- «حان وقت ترك إسرائيل تعتيمها النووي».
وكأن التعاون مع ذلك النظام أمر جديد، وكأننا اكتشفنا المطاط من جديد!! فالرسائل ذاتها: إسرائيل تنفي البيع هنا لكن لا تنفي الأسلحة! والهدف: ضجيج إعلامي والمنجز: الردع النووي كالقدر الإسرائيلي.
نشر بحث كبير لغرانت سميث حول عمليات التزوير الإسرائيلية وكذبها بخصوص تحقيقات تتناول سرقات لشحنات يورانيوم من مخازن أمريكية، توحي تعليقات الكاتب باللااعتراف والإنكار الإسرائيلي حيث يحدد كميات وأرقاماً وأشخاصاً، ومع ذلك فإن الإدارة الأمريكية تصمت، ويذكر أن الـ FBI والـ CIA تختلفان حول التحقيق، وفي المحصلة النهائية يبقى الهدف إثبات وجود السلاح، مادة وتصنيعاً ونقلاً، وذلك لغاية الردع والتخويف.
وعلى صفحة كاملة من صحيفة الأندبندنت: «إسرائيل تنكر تقديم رؤوس نووية لنظام الأبارتايد»، يرد الصدى في الصحافة العربية: «بيريز ينفي أي تعاون نووي مع جنوب أفريقيا».
وبكل بطولة وبكل عبقرية ودقة يتم الاقتباس من ذلك الكاتب الذي أثبت موضوع التواصل والاجتماعات ومحاولات الاتفاق بوثائق، وكأننا نثبت كم هو بيريز كذاب! فهو يحاول قصداً الإيحاء بأنه كاذب حتى يشعرنا بقوة إسرائيل، ولكننا لم ننس تصريحه: لن نكون القوة الأولى في إدخال الأسلحة النووية إلى الشرق الأوسط، هذا يعني أنها موجودة!!.
من جانب آخر وبالموضوع ذاته خرجت الصحافة العالمية ورددت وراءها العربية بعض هذه العناوين: - النشاط النووي الإسرائيلي محل بحث غير مسبوق.
- العالم يناقش ترسانة إسرائيل النووية.
- وكالة الطاقة الذرية تبحث أنشطة إسرائيل النووية.
يا لها من عناوين! كم هو سعيد هذا الكاتب..! سيناقشونها! أي أننا تخلصنا منها..!! أو علىالأقل فضحت إسرائيل.. يا لها من سعادة!!.
ثم يكون القفز للحقائق فيصاب الصحفي العربي بالصدمة، تقول نيويورك تايمز: «نزع السلاح النووي الإسرائيلي لا يناقش الآن».
وبمقال آخر: أوباما يجدد التعهد بصون ترسانة إسرائيل النووية.
عندما تقول النيويورك تايمز إن أمريكا تحافظ على عدم المساس بتلك الترسانة، فهذا يعني أن سريتها مصانة دون تفتيش أو توقيع من قبل إسرائيل، والأهم هو أنها قالت: إن الترسانة موجودة، والمغزى: الرعب.. ولا حول ولا قوة.
معروف أنه في عام 1972 كان نيكسون قد نصح وتعهد لغولدا مائير بالإبقاء على السرية والاستمرار بسياسة الغموض، وبغض النظر عن سرقة إسرائيل لليورانيوم من قاعدة بحرية أمريكية، هذا يعني أن كل شيء موجود، وأن كل المخالفات مرتكبة والحماية الأمريكية موجودة، والحديث قبل الاجتماع حول أسلحة الدمار الشامل في هذا العالم، وفعلاً لم يناقش!.
في نهاية الثمانينيات، ومع انهيار الاتحاد السوفييتي واحتمالات الفلتان النووي، ظهرت مسألة فعنونو الذي كما يقال: شهد شاهد من أهله، فقد كشف المستور: عند إسرائيل ترسانة نووية هائلة، وللحفاظ على سياسة وعقيدة الغموض اعتبروه خائناً وسجنوه 18 عاماً، الآن، وفي هذا الوقت بالذات، أي وقت إطلاق الهيصة، هناك مقابلات ومقالات، حيث تم استحضار ذكر فعنونو ليشارك بالهيصة: «إسرائيل ترسانة نووية هائلة» ومن المقالات: - فعنونو يشعر بالخوف على نفسه في إسرائيل.
 - فعنونو يفضح إسرائيل.
- فعنونو: 200 رأس نووي في إسرائيل.

تجارة الأسلحة
إن من يتاجر بمادة يمتلكها على الغالب، لنقرأ بعض عناوين البحوث:
- لإسرائيل دور كبير في تجارة الأسلحة في العالم.
- إسرائيل تبيع أسلحة لأكثر من خمسين دولة في العالم.
- إسرائيل رابع دولة في بيع السلاح في العالم.
- لعبة إسرائيلية لتمويل الحكومات الأفريقية بالسلاح مقابل الماس.
- تجار الماس من ضباط الجيش الصهيوني.
وهل الإسرائيليون يخجلون من ذلك؟ وكأننا نفضحهم!! فما دام العائد من هذه التجارة يعود للترسانة فهي ليست بسرقة!!.
- الأمم المتحدة أطلقت عليها «تجارة الماس الدموي».
متى استطاعت الأمم المتحدة إلا على الكلام؟! كم قراراً نفذت بخصوص حقوق العرب حتى الآن؟.
- صادرات الماس الإسرائيلي 13 مليار دولار.
كل ذلك غايته إثبات وجود الترسانة العسكرية الضاربة في إسرائيل، وتكريس مسألة القوة والتفوق لخلق الإحباط في الجانب الآخر، كما أن من تبيعه إسرائيل سلاحاً تنال تغطيته السياسية «تكسب وده»، فإسرائيل ليست محاصرة كما تدعون.. هذه هي الرسالة.
والأسوأ من ذلك كله هو أن بعض هذه العناوين أخذ من الصحافة الإسرائيلية! وهنا بيت القصيد: متى يشهد شاهد من أهله، فإن المعلومة تدخل الدماغ مباشرة وتبرمجه باتجاه معين، وكأنه لا يوجد أصدق من ذلك، هذا ما يصيبنا، وكأن ديمقراطية وحرية وشفافية الصحافة الإسرائيلية والإعلام العالمي وخاصة الأمريكي يقدمون ما يقدمونه لسواد عيوننا واطلاعنا على الحقائق مشفاة دقيقة ودون غاية وغير مدروسة من مراكز علم النفس والدعاية والبرمجة الدماغية!! ومهمتنا للأسف الحديث في كثير من الأحيان عن شفافية ودقة الإعلام الغربي، وكم هو فضائحي للممارسات الإسرائيلية.
العبارة الأوضح فيما أرمي إليه ويدعم دقة ما أرمي إليه في هذا التحليل تعود إلى عام 1966 وعلى لسان أبي الترسانة النووية الإسرائيلية، حيث قال: إنني أعرف أن العرب يشكون في نوايانا النووية، وأعرف أن هذا الشيء قوة رادعة، فلماذا نخفف من هذه الشكوك، ولماذا نعمل على إيضاحها، وإنني لا أرى سبباً لإقدام إسرائيل على طمأنة عبد الناصر من هذا المنبر.
هذا كان النهج المستمر لكل العقود الفائتة، لنتفكر فقط بتوقيت ذلك التصريح.. لقد كان قبل ستة أشهر من حرب 1967، حيث عمل كسلاح نفسي مدمر فعلاً، وتعرفون النتائج.
لنتذكر أيضاً هذه المسألة:
لقد كتب على أول رأس نووي أنتجته إسرائيل عبارة «NEVER AGAIN» ومعناها بتصرف (لن تعاد) إشارة إلى ما يسمى بـ «المحرقة اليهودية»، وأنه غير مسموح أن يحدث ذلك ثانية.. والأداة والوسيلة لمنع ذلك لن تكون إلا عبر السلاح النووي، والهدف واضح: تعاطف، تبرير، دفاع مباح عن النفس، ترهيب، ترعيب، ردع.. والنتيجة، ما أمامكم إلا القبول والاستسلام أو الموت.

الرسالة باختصار
إسرائيل لديها قوة طاغية غامضة مربكة محمية مستورة جاهزة، ومن غير المسموح للآخر امتلاكها، أما مظلتها فهي إعلامية سياسية نفسية، ويتمخض عن ذلك التغطية على كل ضعف لدى العدو المحتل وتكريس الاحتلال والتطبيع والاستسلام، وبالمقابل محاولة خلق الشعور بالإحباط وباستحالة مقاومة إسرائيل أو تعكيرها، واستحالة ليس استرداد بل حتى التفكير باسترداد الحقوق، والأدلة على ما أقول كثيرة.
لنأخذ آخر حدث وهو ارتكاب جريمة القرصنة البحرية ضد اسطول الحرية، هذا، وأكثر من أي شيء آخر، رسالة للعالم، لا للعرب ولا لتركيا مفادها أننا نحن هنا، لا نعبأ بما يمكن أن يقوله كل العالم بقواه ومنظماته، وأن سمعة إسرائيل تحميها قوتها، وبالطبع المظلة الأمريكية، هذا هو الشيء الطبيعي والمتوقع والذي يجب ألا نتوقع أو نقرأ غيره، إسرائيل تعرف أنه ليس اكتشافاً أن نعرف أنها تمارس القوة فقط، وتعرف - وعلينا أن نعرف - أنه لو نجحت حملة «أسطول السلام» ستجد في اليوم التالي شاحنات وبشراً ومواد تتجه إلى كل بقعة في فلسطين والجولان، وتفك ليس فقط الحصار بل تنهي الاحتلال، رسالة إسرائيل للخارج أنها تدافع عن نفسها وعن أرضها، ولكنها تعلم علم اليقين أنها قوة احتلال وترسانة أسلحة فيها عائلات وترتيبات معينة تشبه المجتمع.
بناء على هذا المعطى، تجعل إسرائيل من قوتها العسكرية التقليدية ومن قوتها في الدمار الشامل خاصة (وهو محور حديثنا)، تجعل منه بعبعاً مستمر الحضور تثير الهيصة حوله متى وجدت الوقت مناسباً لإرهاب الآخر وردعه وإرعابه، وترى أنه ليفعل العالم وأممه المتحدة ما يشاء، فهو عاجز، ولا سيما بوجود مظلة أمريكية أوروبية تغطي الجرائم وتحمي الاحتلال وتقمع أية محاولة لرفعه سياسياً وإعلامياً وإن اقتضى الأمر عسكرياً.
ما أقوله ليس مدعاة للاستسلام أو الرضوخ أو اليأس، بل كشف وتحفيز واقتناع وإقناع بأن القوة هي الرد، فلا يخيف إسرائيل إلا القوة .. ولا تحتاج إلا إلى هزيمة حقيقية واحدة، فعندما يموت شعورنا وحميتنا وقوتنا عند رؤية طفل يذبح لن يكون هناك شعور أو تحرير !!.. ولا خلاص من الاحتلال إلا بالقوة والمقاومة.. هذه هي المعادلة.
الجانب الآخر الذي يعكس حالة اللغط حول القوة الإسرائيلية، هو الهشاشة والضعف والهزيمة الإسرائيلية الداخلية، فلا يشد الداخل إلا الخطر الخارجي، وضرورة شد الداخل وإظهار التصدي للخارج بقوة السلاح النووي لا تتم إلا من خلال ممارسات برمجة دماغية تستمر عبر الحرب الإعلامية النفسية، فأية مؤشرات تدل على هشاشة الداخل الذي يولد هذه الضجة؟!.
تذكرون تلك الغارة الإسرائيلية بثماني طائرات على المفاعل النووي العراقي التي تمثل قوة وتخطيطاً أدهى بكثير من عملية عنتابي - اوغندا، قائد ذلك السرب عميد طيار متقاعد يقول له أولاده وزوجته وأحفاده البالغون: لم تعد إسرائيل مكاناً آمناً، المطلوب أن تؤمن لنا جوازات سفر أجنبية، يقول الرجل في مقابلة له مع مجلة الايكونوميست منذ أشهر: طيران إسرائيل غير قادر على ضرب إيران كما فعل في العراق، إيران لديها عشرات إن لم يكن المئات من السراديب تحت الجبال، وفي مناطق متباعدة من إيران، فلا يمكن ضربها بشكل فعال من قبل سلاح الجو الإسرائيلي، يتابع قائلاً: من جانب آخر، إيران سوف ترد، وردها سيحول الشرق الأوسط إلى كتلة من اللهب، ولا ننسى أن حماس لديها صواريخ قادرة على الوصول إلى تل أبيب من الجنوب، وحزب الله لديه صواريخ قادرة على الوصول إلى أية نقطة في إسرائيل من الشمال، هذا ولم نتحدث عن الصواريخ السورية.
وهنا نشهد الخوف من القوة فقط، والمسبب الأساسي للهيصة هو تحديداً هذا الخوف من القوة، وما يزيد الخوف خوفاً هو ذلك الاختلال في السياسة والعقيدة الإسرائيلية التي أريد لها أن تكون غامضة وغير ثابتة ولا إجماع عليها، بالإضافة إلى عدم القدرة على اتخاذ القرارات أمام الأمور المصيرية كضرب إيران مثلاً، ولا ننسى الفجوة الاجتماعية بين الأغنياء والفقراء في إسرائيل، وكابوس التمييز العنصري الذي ينخر بالداخل الإسرائيلي، كما أن هناك إحساساً إسرائيلياً بأن نتنياهو بالذات يشكل عبئاً على إسرائيل، فهو عرضة للهجوم من قادة العالم الغربي وحتى من أمريكا، يؤكد ذلك الإعلام الإسرائيلي ذاته: إسرائيل بحاجة إلى قبطان ماهر يقود سفينتها في مياه شرق أوسط هائجة أمواجه، وهذا القبطان ليس نتنياهو على الإطلاق، ونقرأ أيضاً في إعلام العدو: نتنياهو يدعو محمود عباس إلى مائدة المفاوضات ويغرز مسامير في الكرسي الذي يجلس عليه عباس.
وأرى أن السبب الرئيسي في التهويل وراء هذه الضجة يتمثل بإسرائيل والحرب، هناك دراسات تقول بأن إسرائيل حالياً تستطيع الدخول وحدها في حرب، ولكنها لا تستطيع إنهاء أية حرب دون دعم أمريكي ودون قطار جوي أمريكي ودون دعم الفيتو الأمريكي، فأمريكا هي الحائط الواقي لإسرائيل، وهي الشريك في كل جزء من جزئيات حياة إسرائيل أمنياً واقتصادياً وسياسياً، هذا ما أكده «ايتان هابر» مدير مكتب اسحق رابين السابق.
ونجد في الهيصة أيضاً أن نتنياهو يتذرع بإيران لعدم التحرك في فلسطين، وتحركه ضد إيران تكتنفه المخاطر، فكيف يخرج من المأزق إلا بهكذا هيصة!! ولكنها لن تجدي!!.
وكما قال السيد حسن نصر الله مؤخراً: «اليوم توجد حرب نفسية بيننا وبين إسرائيل، هي تجري مناورات تصورها وتظهرها بالتلفزيون لتقول خافوا، ونحن أيضاً قادرون أن نقول للإسرائيليين خافوا.. لا أريد طمأنة إسرائيل لأنه عندما تخاف إسرائيل تنكفئ، سنبقي العدو خائفاً».
أقول ختاماً: هم خائفون، ولذلك يحملون هذا الحجر الكبير، ولكن لنخيفهم أكثر علينا أن نحمل حجراً كبيراً حقيقياً، إنهم الأقدر على المدافعة عن الباطل، ونحن شجعان وحقنا كالرمح، ولكننا نعاني في الدفاع عنه، والطريق الأمثل للدفاع عنه هو امتلاك إرادة صامدة صادقة مجتهدة صبورة، وامتلاك عمل خلاق مبدع يخيف من يريد إخافتنا.

في السبت 25 سبتمبر-أيلول 2010 06:11:12 م

تجد هذا المقال في حزب البعث العربي الإشتراكي-قطراليمن
http://albaath-as-party.org
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://albaath-as-party.org/articles.php?id=179