العلاقة بين الشخصية والكاتب في العمل الأدبي
رمضان إبراهيم
رمضان إبراهيم
يرى الكاتب والروائي " سومرست موم " أنه من الصعب، بل ، ومن الحالات النادرة جداً أن تمد الحياة الكاتب بأيّ قصّة جاهزة. لأن الحقائق في أغلب الأحيان تكون متعبة جداً، وتعطي إيحاءات تثير الخيال ولكنها تكون ميالة عندئذ إلى ممارسة سلطة لا تكون إلاّ هدامة!
لقد جرت العادة في عالم الفن والأدب منذ بدأ الناس يؤلفون ويكتبون أن تكون هناك أصول واقعية لما يخلقه المؤلفون، واعتقد أن تلامذة شكسبير يجدون أصلاً للسيد " شالو".. وهذا ما نجده أيضاً عند " ستندال" الذي كتب في احد مخطوطاته أسماء الأشخاص الذين استوحى منهم شخصياته. وقد كتب أيضاً " تورجنيف" أنه لم يستطع أن يخلق شخصية مالم ينطلق من خياله في البدء من شخص حي. وفي الحالة التي تشذ عن هذا المبدأ،أي عندما يخلق الكاتب شخصية لا مثيل لها على أرض الواقع، فهو يعتمد في ذلك على الأشخاص الذين مازالت تحتفظ بهم ذاكرته،ولا يستطيع القول إنه قد خلق شخصيته من العدم، أو من غريزة الخلق لديه.
ما أقوله هنا يأتي في سياق ما قاله تورجنيف في احد لقاءاته عندما أكد أنه لن يستطيع الكاتب أن يعطي لما يخلقه أي حيوية ومزاجاً عقلياً، مالم يكن في ذهنه / الكاتب / إنسانٌ معيّن يستند على تصرفاته، وسلوكه، وانفعالاته، وطريقته في التعامل مع الأشياء في خلق شخصيته الروائية أو القصصية أو المسرحية وحتى الشعرية.
وطالما أن الكاتب يوصَّف بأنه الخالق لشخصياته في أعماله الأدبية إذ إنه يعرف القليل القليل حتى عن الأشخاص الذين تربطه بهم معرفة وثيقة، فأي منّا يعرف المحيطين به معرفة تامة؟!.. هذا أيضاً ينطبق، كما قلنا،على الكاتب، فهو لا يعرف الأشخاص المحيطين به معرفة تؤهله لأن يحولهم إلى صفحات في كتابه يظهرون في تلك الصفحات كمخلوقات إنسانية كاملة.
إن معالجة الناس في حياتهم العادية صعبة جداً،لأنهم مضلِلون،غامضون ، متناقضون غير منسجمين أيضاً. والكاتب لا ينسج أشخاصه من الحياة بشكل مباشر، أو لنكن أكثر حداثة في توصيف ذلك ونقول بأنه لا يقوم باستنساخ شخصياته من أناس يتجولون معه في الشوارع ويذهبون إلى أعمالهم ويمارسون طقوس حياتهم اليومية. بل يأخذ منهم ما يشاء، كبعض الخصائص التي لفتت انتباهه، أو قد تصدر عنهم لفتة معينة تلهب خياله، ومن ثم يبني شخصيته الفنيّة، دون أن يعنيه وجود تشابه حقيقي بين الأصل والصورة، بل ما يهمّه هو أن يخلق انسجاماً متقناً وملائماً لأهدافه. وربما كان الفرق بين العمل المنجز والأصل عظيماً، حتى إن الكاتب أحياناً يتّهم بأنه يقلّد شخصاً ما، في حين يكون في ذهنه شخص آخر. وفي رأيي الشخصي المتواضع فإن على الكتّاب أن يكونوا معتادين على هذه التهم. يضاف إلى ذلك أن المصادفة في بعض الأحيان تلعب دورها وتجعل الكاتب يختار شخصياته من بين أناس يعرفهم معرفة وثيقة أو سطحية، وقد يكفيه أحياناً أن يكون قد لمح أحدهم في مقهى، أو تحدث معه لوقت قصير أو حتى لدقائق في مكان عام، أو التقى به في مناسبة معينة قد تكون مناسبة فرحٍ أو حزن أو غير ذلك .
ما أود قوله،هو أن كل ما يحتاجه هذا الكاتب أو ذاك في هكذا مناسبة هو تلك القاعدة الخصبة والمرنة التي يستطيع أن يبنيها معتمداً على تجربته في الحياة، ومعرفته بالطبيعة البشرية، ولا يجب علينا أن ننسى أو نتجاهل حدسه الخاص وموهبته .
قد يلجأ الكاتب في أغلب الأحيان إلى حماية الشخصية الأصلية التي أثارت لديه عوالم خاصة وكانت مبعث الوحي والإلهام في عمله الأدبي خوفاً منها أو خوفاً عليها، كأن يضع الشخصيات الفنية في أماكن مختلفة عن الأصل، ويعطيها وسائل أخرى للعيش، وربما قام بنقلها من بيئتها والوسط الذي تعيش فيه إلى بيئة أخرى مختلفة عن الأصل تماماً، ولكن ما يصعب عليه هو تغيير مظهرها لأن الخصائص الجسدية للإنسان تؤثر في شخصيته، وبالمقابل يعبّر مظهره عن شخصيته ضمن الحدود والخطوط العامة.
الشخصية التي يخلقها الكاتب ويبدع في رسم عوالمها سواء من ذخيرته الذهنية أو ما رآه وعايشه في حياته الواقعية ينبغي ألا تستدعي خوفه وقلقه وخشيته إلاّ عندما تكون هذه الشخصية غريبة تماماً عن الواقع ولا يمكن لأحد أن يتخيلها لأنها تبدو نافرة وغير منطقية أبداً !!
في الخميس 24 مارس - آذار 2011 04:11:55 م

تجد هذا المقال في حزب البعث العربي الإشتراكي-قطراليمن
http://albaath-as-party.org
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://albaath-as-party.org/articles.php?id=220