الحالة العربية إلى أين...!؟
د. سليم بركات
د. سليم بركات
تبدو الحالة العربية الراهنة عليلة، تحتاج إلى العناية الفائقة، بعد ما حدث في تونس ومصر، وما يحدث في ليبيا، والجزائر، واليمن، والبحرين والأردن. والسبب في وجود هذه الحالة، هو استهتار بعض الأنظمة بإرادة شعوبها، وعجزها عن حل المشكلات التي يعانيها الشعب، وعدم الاكتراث بمعاناته، سواء أكانت هذه المعاناة على المستويين المحلي أم القومي، أم كانت على مستوى متطلبات الناس المعيشية المتعلقة باللقمة. معضلات متراكمة بالغة التعقيد، تتطلب إيجاد الحلول ولكن لا حلول ولا آذان صاغية. لا بل إن بعض قضايا هذا الشعب تحولت إلى سلعة للبيع والشراء، بعد تفكيك وتفتيت نسيجه الاجتماعي، لتبدو حالة التوحد والتضامن، وكل ما له علاقة بالعمل العربي المشترك، بعيدة عن التحقق، ولتبقى الحالة التنموية البشرية والاقتصادية في حدودها الدنيا، بل لتبقى الأسوأ على مستوى العالم.
لقد تولد لدى المواطن العربي إحساس بضعف الكثير من الأنظمة السياسية العربية، تجاه ما يجري محلياً وعالمياً بالنسبة لقضاياه وتطلعاته، وأهدافه. وترسخ لديه هذا الإحساس، منذ أن عصفت الأزمة الاقتصادية بالعالم، مشكلة أزمة عدالة، تركت آثارها على الإنسان العربي، نتيجة الاختلالات الاقتصادية، التي كونت مشاعر الثورة، وشجعت على المساءلة. وما أن بدأت هذه المساءلة، حتى بدأت ردة فعل هذه الأنظمة بالالتفاف على الحركة الجماهيرية دون أن تدرك هذه الأنظمة، أنها السبب في حالة الاعتلالات والنزف والاستنزاف لكنها وجدت نفسها في مواجهة جماهيرية حازمة، رفعت سقف مطالبها مستفيدة من تجارب الصراع العربي الصهيوني المريرة، حيث تفرض إسرائيل شروطها، على مرأى ومسمع المستسلمين للرغبات الإسرائيلية، والإملاءات الامريكية. ومستفيدة أيضاً، من المعاناة الجماهيرية الداخلية، بعد أن اهتز العراق وقسم السودان، وبلقنت فلسطين، ودفع باللبنانيين نحو الفتنة، ولغم موضوع المحكمة الدولية، وتوضح مستقبل الإمدادات النفطية، والنظام الأمني، والأدوار الإقليمية والمصالح الأوروبية والأمريكية شديدة التعقيد.
هذا غيض من فيض، فجر الثورة العربية، لتكسر حاجز الخوف من الأنظمة وأجهزة الأمن، مطالبة الحوار مع المعارضة، وفتح ملفات الفساد، وخفض الأسعار ومحاربة البطالة.
هبت الثورات في الوطن العربي، ليس من أجل الإصلاحات الاقتصادية والسياسية، وليس من أجل تعديل الدساتير، وإلغاء الأحكام العرفية، ومنع الامتيازات، وتحسين الدخل فحسب، وإنما من أجل تحرير الأرض، وعدم تمكين إسرائيل من استكمال الاستيطان، والتهجير والاعتقالات والاستمرار في حصار غزة والشعب الفلسطيني برمته. إن ما يجري في الوطن العربي، حالة من الوعي نتج عنها نهوض عربي نحو مواكبة العصر، إنه الزمن العربي المنتظر، الزمن الذي يشكل حالة تأسيسية لنظام عربي جديد، بعد إخفاق عربي طويل في التعامل مع أمريكا والغرب وإسرائيل. إنه زمن مغاير لما عرفناه لأنه زمن الدولة ومؤسساتها وقوانينها، زمن المساءلة ودولة القانون. كيف لا والجماهير العربية الزاحفة تترجم مطالبها بوضوح، مطالب الحرية والعدالة وإحقاق الحق، والمشاركة الوطنية، والمساواة أمام القانون. إنه تمرد الشعب بعد أزمة تفاعلت في أعماقه، إنه تمرد الشباب العربي، من أجل الكرامة و التغيير، كي يكون الحاكم خاضعاً للرقابة، وكي تكون المعارضة عملاً دستورياً، وكي تكون الديمقراطية هي الخيار بعيداً عن التنظيرات المستهلكة، والشعارات الزائفة، وبعيداً عن التفكير بنظرية المؤامرة. إن ما يجري في الوطن العربي من ثورة، يمثل غضبة شعبية عارمة، بعد كبت استمر سنوات طويلةمن تغييب مصالح الشعب والاستهتار بقيم الجماهير، وبحرية الإعلام، والتعبير، وضعف الاقتصاد، وازدياد نسبة الفقراء، والتوزيع غير العادل للثروة.
السؤال الذي يطرح نفسه، في ظل ما يجري في الوطن العربي هو، إلى أين تتجه المنطقة العربية، بعد تخلي أميركا عن حلفائها واكتشاف المواقف الأوروبية المستنسخة عن الموقف الأمريكي، وظهور ردود الأفعال الإسرائيلية المعبرة عن القلق الشديد على مستقبل إسرائيل في المنطقة؟. هل تتجه المنطقة إلى إلغاء السياسات السابقة مع إسرائيل، لتعود الحالة التي كانت قائمة في أوائل سبعينيات القرن المنصرم، حيث صمود الجبهة الجنوبية الغربية في مواجهة إسرائيل، ولتبرهن أن معاهدة كامب ديفيد، لم تكن معاهدة الشعب المصري مع إسرائيل؟ أليس قلق بنيامين نتنياهو رئيس حكومة إسرائيل في مكانه، فيما يخص المعاهدة، والتي حولها حسني مبارك من معاهدة إسرائيلية مصرية إلى تحالف مصري إسرائيلي أميركي غير مقدس؟.
أما الفيس بوك، والتويتر، وغيرها من وسائل الاتصال التي يحاول البعض وضعها كبديل عن عبد الكريم الخطابي، وعبد القادر الجزائري، وعمر المختار، وجمال عبد الناصر، وغيرهم، فهذه تفسيرات ليست في مكانها. ما من شك أن هذه الوسائل مهمة وأساسية في عمليات الاتصال، ولو كانت في أيام هؤلاء الثوار لاستعانوا بها، لكن ما نشهده يؤكد على أن الشعوب هي التي تصنع التاريخ، وأن انتفاضتها تمثل قاطرات هذا التاريخ، وما نشهده اليوم من انتفاضة للشعب العربي، هو تعبير شديد الوضوح، عن نقمته على سياسة البعض من حكامه، الذين ارتضوا حياة التبعية والانسياق خلف التحالف الأمريكي الصهيوني، ومشروعه المعادي للأمة العربية.
 ما من شك أن الشغل الشاغل للدوائر الإقليمية والدولية، هو دراسة وتحليل ما يجري في الوطن العربي، باعتباره ظاهرة جديدة، وسريعة، ومفاجئة، وشاملة. لكن سرعة الأحداث وعمقها، تقول أن من المبكر الحديث عن الدروس، والاستنتاجات والخلاصات، لأن المشهد لم ينته بعد، ولأن الأهداف لم تستكمل، وإنه من السابق لأوانه القول أن الثورة قد بلغت شاطئ الأمان، أو يظن أنها قد تجاوزت محاولات السرقة، فالأمور مازالت في بدايتها، وهي مرشحة إلى مزيد من التصعيد والمواجهة، ولكن هذا لا يعني أن الثورة قد أتت من فراغ، بل هي إرادة شعب تجاوز الخوف والحذر والإنتظار. والأهم من كل هذا، أن لا توجه الاتهامات إلى تدخلات خارجية، تحمل مسؤولية ما يجري. إن ما يجري، هو خارج عن كل إرادة خارجية، ومفاجئ لها، لأنه شأن عربي داخلي بامتياز، وهذا لا يعني أن لا نحصن أنفسنا من التدخل الخارجي حتى لا تجهض الثورة.
بقي أن نقول: لقد بالغت بعض الأنظمة بإهمال الشعب، فواجهتهم ثورته، ولو كانت السلطة بيد الشعب، كما يدعي البعض من هذه الأنظمة، لما خرج الشعب مطالباً بالتغيير. لابد بعد الذي حصل وسيحصل في الوطن العربي، من أن يعاد النظر في والدساتير، والقوانين، والأنظمة، والفصل بين المال والسلطة، وعلى القادم من الأنظمة أن لا يعد الديمقراطية و حرية التعبير مجرد آليات لا قيمة لها.
في الخميس 24 مارس - آذار 2011 04:18:04 م

تجد هذا المقال في حزب البعث العربي الإشتراكي-قطراليمن
http://albaath-as-party.org
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://albaath-as-party.org/articles.php?id=221