التربية الصهيونية.. عداء وكراهية ورفض للآخر
أحمد محمود الحسن
أحمد محمود الحسن
تؤكد الدراسات الصادرة عن مختلف مدارس علم النفس الاجتماعي أن صورة الآخر في أي مجتمع، سلبية كانت أم إيجابية، تتكون تدريجياً بتأثير عوامل تتضافر مجتمعة لتساهم في تكوين تصوره أفراداً وجماعات للآخر، وتسهم المورثات المجتمعية المتأصلة في صياغة صورة هذا الآخر، كما تسهم القيم التربوية والأخلاقية السائدة في تكريس هذه الصورة.
لقد كرست الأيديولوجيا الصهيونية، على الرغم من ادعائها العلمانية، مفهوم الاختيار الإلهي «التوراتي لليهود»، لتبني عليها زعم تميز اليهود عن سائر البشر وتفوقهم المطلق في مقولة ساقطة، علمياً وأخلاقياً.
ومن خلال تطابق الديني مع الأيديولوجيا وتمازجها على أرضية عنصرية واحدة، تم تكوين موقف عنصري ذي اتجاهين: اتجاه الذات واتجاه الآخر، ليكون الإسرائيليون، وكما يقول الدكتور عبد الوهاب المسيري: «سجناء الفيتو بكل رموزه وأفكاره المغلقة وأساطيره اللازمنية حول انفصال اليهودي الخالص عن الأغيار».
إن عسكرة وإرهابية نظام التعليم في المناهج الصهيونية جزء أساسي من تكريس العنصرية ورفض الآخر، ولا سيما العربي، فقد أدرك مؤسسو الصهيونية أنه لن يتم تقبل وجود كيانهم على أرض فلسطين العربية المحتلة، لذا عملوا على عسكرة المجتمع ككل، ومن خلال عسكرة المناهج الدراسية في سبيل إعداد جيل يتوارث العنف واللاإنسانية والحقد والبغض على العرب، وما شاهدناه في حربهم على غزة أكبر مثال، وبشكل يضمن إلغاء المشاعر الإنسانية عندهم كي لا يتحرك ضمير ندماً على قتل أطفال آمنين أبرياء في بيوتهم.
يقول دافيد بن غوريون، أول رئيس وزراء صهيوني: «إسرائيل عبارة عن مجتمع عسكري».
وتعكس الفكرة نفسها في جميع مجالات الحياة في الكيان الصهيوني ابتداء من عائلاتهم، ثم انتقالهم إلى مدنهم وحضارتهم وأعمالهم، وجميع مؤسساتهم وصناعاتهم ومناهجهم التعليمية، وحتى إلى فنونهم ورفاهيتهم، وتعتبر الخدمة العسكرية في الكيان الصهيوني أعلى الواجبات الدينية التي يصبو إلى تنفيذها كل مواطن، وأول درس يتعلمه الطفل في الكيان الصهيوني هو العنصرية القائمة على التطرف والبغض والخوف المرضي من الآخرين.
ينشأ الطفل في الكيان الصهيوني وهو يتمتع بحق ميلاد إلهي، كونه خلق يهودياًَ في شعب الله المختار، وأن الامتياز الإلهي يأتي ممزوجاً بحسد وكراهية واضطهاد الأغيار له، كما يلقن أن هؤلاء الأغيار عبارة عن أرواح حيوانات خلقت في أجساد بشرية، كما تؤكد التربية الصهيونية المعتمدة على التوراة، إضافة إلى كتب المفسرين من الحاخامات، كالتلمود والمدراش والهلافا والهفرا بما تتضمنه من تغذية لمشاعر الكره وعدم تقبل الآخر، تضاف إلى ذلك قرارات المؤتمرات الصهيونية التي بلغ عددها ثلاثة وعشرين مؤتمراً منذ عام 1897 وحتى 1951، وآخرها المؤتمر الذي انعقد في القدس لأول مرة سنة 1951 ليبحث مسألة الهجرة اليهودية إلى فلسطين.
ومن مصادر التربية الصهيونية، مؤلفات مؤسسي الصهيونية الأوائل، ومن هذه المؤلفات على سبيل المثال: كتاب روما والقدس لموس هس (1812 - 1875)، وكتاب التحرر الذاتي لرئيس جمعية محبي صهيون (1821 - 1891)، وكتاب الدولة اليهودية لهرتزل (1860 - 1904) وغيرها.
ويقول الدكتور إبراهيم أبو جابر، رئيس مركز الدراسات المعاصرة في مــدينة أم الفحــم في فلسطين :
 «إن الديانة اليهودية تعتبر مصدراً من مصادر الفلسفة التربوية عند اليهود»، ويضيف لهدف التربية الدينية تربية الطفل جسدياً واجتماعياً وانفعالياً وعقلياً عن طريق قصص التوراة وأشعارها، وتعتمد المناهج الصهيونية أساليب التربية العدائية.
تقول الباحثة حاجية غور زئيف، من مركز التربية في معهد الكيبوتات: «إن تربية الطلاب العسكرة تتم بأساليب مختلفة مثل:
- تسلق الأطفال في سن الروضة الدبابات وتزيينها.
- وفي الأعياد الدينية، فإن غالب ما ينقل إلى الطلبة هو المفاهيم العسكرية، فدائماً هناك تمييز بين نحن وهم، وهم دائماً تعني الأشرار، فمثلاً في عيد الفصح تصور عن اليهود بالطيبين، وعن المصريين «الفراعنة» بالأشرار».
ومما يسهم في اتخاذ التربية الصهيونية اتجاهات عدوانية، تسلم ضباط كبار في الجيش الصهيوني مناصب ووظائف إدارية في المدارس والجامعات بعد إنهائهم خدمتهم العسكرية، وهناك مشروع سمي «تسافتا» التابع لوزارة المعارف والذي يعين فيه ويشرف عليه ضباط متقاعدون من الجيش، وجهاز المخابرات «الشاباك» الذين يتلقون تدريبهم في معهد بيرك، ثم يتم إلحاقهم فور تخرجهم بمدارس مختلفة في جميع أنحاء الكيان الصهيوني.
وتبرز العسكرة في المناهج المدرسية في الكيان الصهيوني، وكما يؤكد الدكتور الياس عاقلة، في سمات أبرزها:
أولاً: تمهد المناهج الصهيونية القوة العسكرية والحرب كنظام حياتي للكيان، وتعزز فكرة «القوة حق»، وأن الخدمة العسكرية هي أسمى الواجبات الدينية التي يتطلبها الرب.
وتقوم المدارس الصهيونية بتنظيم رحلات مدرسية إلى القواعد العسكرية، والتعرف على أنواع الأسلحة، والتقاط صور تذكارية مع الجنود، ومشاهدة تدريبات عسكرية بالرصاص الحي.
وكثير من الواجبات المدرسية تطلب من الطلاب كتابة رسائل إلى الجنود لشكرهم على قتل أعداء شعب الله المختار، وكثيراً ما يدور ضباط الجيش وجنوده ليحدثوا الطلاب عن الحروب مادحين الجيش الصهيوني.
ثانياً: أكثر ما يميز المدارس في الكيان الصهيوني صبغتها العسكرية، حيث استؤمن العسكريون على إدارة المؤسسات التعليمية.
ثالثاً: إنشاء مؤسسات عسكرية ودينية تعرف باسم «يشيفوت هاها ديد» التي جمعت التطرف الديني بالتطرف العسكري، ويدير هذه المؤسسات حاخامات متطرفون، حيث يستقبلون خريجي المدارس الثانوية ليزرعوا في نفوسهم الدينية الصهيونية العنصرية عدا عن التدريبات العسكرية.
وفي ضوء ذلك لا يعود مستغرباً أن يسيطر اليمين، واليمين المتطرف على أوسع قطاعات الداخل الصهيوني، ويصبح مفهوماً قول أفيغدور ليبرمان، بأنه يعبر عن غالبية الشارع الإسرائيلي.

في الإثنين 23 مايو 2011 06:34:34 م

تجد هذا المقال في حزب البعث العربي الإشتراكي-قطراليمن
http://albaath-as-party.org
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://albaath-as-party.org/articles.php?id=238