الأصابع الإسرائيلية في القرن الأفريقي
أحمد أبو سلعوم المناصرة

يعود الاهتمام الإسرائيلي بالسودان، كبلد وكموقع في القارة السمراء، إلى زمن بعيد، وتأكد ذلك عندما باتت تتكرر المتلازمة الدعائية ضد هذا البلد العربي الذي يحتل حوالي ربع القارة الأفريقية. والذي يشكل، في حال نهض على قدميه، سلة غذاء العالم.
و كان السودان هدفاً ثابتاً على الأجندة الإسرائيلية، فحاولت إسرائيل وبكل ما أوتيت من نفوذ وقوة، وقف وتعطيل حالة النمو الطبيعي لهذا البلد، تارة عبر إقامة مراكز مخابراتيه سريه وغير سرية، سواءً في شواطئ البحر الأحمر، أو في أرتيريا، أو في جنوب السودان في وقت لاحق، في مهمة غايتها السيطرة النهائية على منابع نهر النيل العظيم.
والمؤكد في هذا الشأن أن جنوب السودان كان يعتبر الخاصرة الرخوة للسودان لاعتبارات اثنيه وعقائديه. لذلك فإنه، ومنذ المرحلة الأولى كان الإسرائيليون يسعون للعب على ملف جنوب السودان. فعملوا على تغذية الروح الانفصالية، وقاموا بتقديم خدمات أمنية جليلة من خلال زرع شبكات تجسسية في المنطقة، والقيام وبشكل مكثف بتدريب عناصر انفصالية في إسرائيل، ولعل الكثير من قيادات الانفصاليين زاروا الكيان الصهيوني سراً عشرات المرات. وكان على رأسهم القائد السابق جون غارنغ وخليفته اللاحق الرئيس الحالي لدولة جنوب السودان الجديدة "سلفاكير ميارديت"، والمعروف أن الجنرال الإسرائيلي " الدكتور عوزي لانداو. قد كشف مراراً ومنذ أمد بعيد عن دور إسرائيل في تدفق الأسلحة والمعدات القتالية إلى جنوب السودان حتى قبل أن يكون هدف انفصال الجنوب، هدفاً معلناً بوضوح.
وفيما بعد، ومع مفاعيل اتساع جنوب السودان كمشكلة على المستوى الدولي قام الإسرائيليون، وعلى كل المستويات، بضخ كل ما وصل إلى أيديهم من مساعدات وخدمات سياسية واقتصادية وعسكرية وأمنية، بهدف الدفع بالجنوب السوداني وبشكل متسارع نحو الانفصال التام عن الخرطوم وهذا ما تم بالفعل.
وفي سياق الاستعداد الإسرائيلي لما بعد انفصال جنوب السودان. وقيام دولة حليفة لإسرائيل، نقلت القناة العاشرة في التلفزيون الإسرائيلي في 18/ 12/ 2010 نبأ إقلاع طائرة إسرائيلية تحمل 190 شخصاً من اللاجئين السودانيين العائدين طوعاً إلى بلدهم الجديد عن طريق دولة ثالثة، وبدا أن الخبر في أساسه يشكل بداية من أجل أن تتخلص إسرائيل من ظاهرة اللاجئين الأفارقة، والتي باتت تمثل مشكلة اجتماعية واقتصادية وحتى أمنية لإسرائيل.
غير أنه سرعان ما تبين أن هذه الطائرة ليست الأولى، وأن الأمر برمته تم بترتيب من مؤسسات وجمعيات تؤيد انسلاخ الجنوب، وقد دهشت أوساط حكومية إسرائيلية من نشر النبأ، ورفضت ما تسمى دائرة السكان والهجرة في إسرائيل التعقيب عليه. وكرر المسؤولون في هذه الدائرة تحذيرهم بذريعة أن الحديث في هذا الأمر، قد يحمل مخاطر على اللاجئين، إذا ما علم أنهم كانوا في إسرائيل.
والحقيقية التي يدركها المتابع للشأن الأفريقي عموماً والسوداني على وجه الخصوص أن النيات الصهيونية الخبيثة تقوم منذ أمد بعيد على تأجيج الخلافات بين الأقليات الأثينية والدينية والعرقية، من أجل إحداث القلاقل والفتن، الأمر الذي نجح في جنوب السودان، وكان من جراء ذلك، ومن ثماره المرّة، خلق دولة معادية في الجنوب تدين بالولاء التام لإسرائيل والولايات المتحدة، وترتبط مع حلفائهما في المنطقة، فقد قامت إثيوبيا بإنشاء بنك في عاصمة الجنوب جوبا، لتمويل عمليات الجيش الجنوبي في حال اندلاع أعمال عنف مع الشمال العربي في الخرطوم وذلك عقب إعلان الانفصال.
ويحاول الكيان الصهيوني جاهداً وبشتى الوسائل، تعميق العلاقة بدولة جنوب السودان، والوصول بهذه العلاقة إلى مرحلة التحالف العضوي من اجل انجاز وتحقيق عدة أهداف وعلى المدى البعيد، منها تعزيز الحضور الإسرائيلي القوي في منطقة منابع النيل، وفي القرن الأفريقي، غير أن الهدف الرئيسي من ذلك يتمثل في إفشال مشروع قناة "جونجلي" التي سوف توفر لمصر حصة هائلة من مياه النيل، في إطار سعي إسرائيل، من خلال دولة الجنوب الناشئة، للعب بورقة المياه من أجل استغلال وابتزاز كل من السودان ومصر، ما يهدد الأمن المائي للدولتين العربيتين، كما أن هذا الحضور المكثف سوف يتيح لإسرائيل لعب دور أكبر في تمويل جماعات التمرد والانفصال، في دارفور وعلى رأسها: حركة العدل والمساواة الانفصالية، ضمن مشروع لن تقتصر آثاره على السودان وحده.

في الخميس 17 نوفمبر-تشرين الثاني 2011 07:15:48 م

تجد هذا المقال في حزب البعث العربي الإشتراكي-قطراليمن
http://albaath-as-party.org
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://albaath-as-party.org/articles.php?id=271