شمولية العمل الثقافي!
رمضان إبراهيم
رمضان إبراهيم
ما من شك أن العملية الثقافية باتت تكتسي في المرحلة الراهنة أهمية غير اعتيادية، إذ تحولت مساحة العمل الثقافي خصوصاً في السنوات الأخيرة إلى ما يشبه حلبة الصراع بأوجه متعددة ومتنوعة وبدلالات وأبعاد مختلفة، هذا بالإضافة إلى أن الحقل الثقافي قد أفرز عدة ظواهر تؤشر على تحول في نوعية الإنتاج والممارسات والخطاب والتخاطب الثقافي وهذه المتغيرات بدأت تؤدي بدورها إلى تحول في منهجية مقاربة المسألة الثقافية والغوص في تفاصيلها وأبعادها وطرح العديد من الإشكالات المرتبطة بها.
ثم إن العلاقة التي كانت تضبط الثقافي بالمستويات الأخرى و(السياسي منها بوجه الخصوص) منذ نشأة الحركة الوطنية المناهضة للاستعمار وحتى الآن، هذه العلاقة دخلت في صيرورة التحول إلى مايشبه أزمة علاقة ناتجة من اهتزاز المنظومة الفكرية التي مورست على أساسها العلاقة السابقة وحصول تراكم معرفي جديد عن الواقع الحاضر والتحولات التي أفرزته!.
من هنا، كان من الطبيعي أن تنتج عن هذا الوضع تباينات كبيرة في الاستيعاب والتقييم، في أساليب المراجعة وفي اتجاهات الممارسة نظراً لتباين الرؤى والأهداف والمصالح التي تحدد سلوك وتدخّل كل عامل من العوامل المتصارعة في حلبة الحقل الثقافي.
لم يعد العمل الثقافي مقتصراً على أشخاص أو أفراد لديهم تجاربهم الثقافية أو الأدبية أو الإبداعية إذ بدا واضحاً تكوّن جمعيات ثقافية في العديد من المدن وأكثر من ذلك لقد وصلت هذه الجمعيات إلى المناطق الكبيرة بل وإلى الأحياء النائية أيضاً ومن هنا لم يعد بالإمكان أن نتحدث عن الفعل الثقافي بأنه ظاهرة ثقافية فقط بل أصبح ظاهرة اجتماعية أيضاً، فهو لم يعد هاجس بعض المثقفين الكبار أو بعض الهيئات الثقافية التي تتأسس في العاصمة أو المدن الكبيرة بل أصبح يعبر عن حاجة أعمق لدى عدد كبير ومتعاظم من المثقفين والمتعلمين وحتى السياسيين المتواجدين في المجتمع وهذا من أهم الأسباب التي أدت إلى ربط جمهور الأحياء والقرى النائية في المدن الكبرى والصغرى بالإنتاج الفكري والثقافي ممّا يدفع لبلورة وإبراز الاهتمامات الفكرية والتعبيرات الثقافية المحلية.
إنّ انخراط معظم فئات المجتمع كما ذكرنا في الفعل الثقافي شكّل إطاراً ثابتاً للممارسة الثقافية خلافاً للماضي حيث كانت هذه الممارسة متقطعة ومضطربة وهذا ما يجعله مرآة عاكسة للقضايا الفكرية والثقافية المركزية التي تطغى على الساحة الوطنية والقومية كما يجعل الجمعيات والهيئات بمثابة عامل إعادة إنتاج وعامل توزيع فعّال للمنتج الثقافي والإبداعي الذي يتم على المستوى الوطني.
هذا التفاعل الذي بات أمراً حتمياً وواقعياً أدى نتيجة الحوار والنقاش إلى إبراز بعض النقاط السلبية والبحث بشكل جدّي عن العوامل التي تؤدي إلى تجاوز هذه النقاط وكان من أهم هذه النقاط تجزئة الحقل الثقافي إلى مجالات مختلفة (سينما، مسرح، إبداع أدبي، عمل فكري..)، وبدأت تتحول هذه المجالات شيئاً فشيئاً من إطارها الفردي إلى الانضواء تحت مفهوم العمل الثقافي الذي شكل طرفاً في عملية الصراع الدائر في المجتمع ولم يعد هناك من صراع بين الفئات المثقفة وبعض الفعاليات التي تتحكم في المجتمع ومن أهمها بعض السياسيين أو بعض الحزبيين الذين يتمسكون بالانتماء الحزبي الضيق.
إنّ أي متتبع جدّي للعمل الثقافي يلاحظ اليوم أنّ العمل الثقافي أنتج نوعاً من التقاليد في الممارسة الثقافية أدت إلى إعادة إنتاج طقوس محددة وثابتة تحولت إلى تقاليد متحجّرة وعاجزة عن مواجهة مهام التغيير والتجديد الثقافي المنوطة بأي مثقف، وربما كانت هذه من أهم الأسباب التي أدت إلى تراجع الفعل الثقافي واقتصار المهتمين بالأسابيع الثقافية والندوات والحوارات والأمسيات التي تتم في المراكز الثقافية مثلاً على أعداد قليلة قد تفوق أصابع اليد بقليل إذا ما حذفنا أولئك الذين يحضرون لغاية لا علاقة لها بالثقافة، بينما نلاحظ اكتظاظ هذه المراكز الثقافية بالمهتمين والمتابعين في حال كانت الندوة أو الأمسية ذات صلة بالوضع السياسي.. أو كان المحاضِر من خارج الحدود !!.

في الأحد 04 ديسمبر-كانون الأول 2011 07:55:52 م

تجد هذا المقال في حزب البعث العربي الإشتراكي-قطراليمن
http://albaath-as-party.org
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://albaath-as-party.org/articles.php?id=274