قراءة في مفردات التآمر على سورية. (1)
طه العامري
طه العامري
عندما يبارك الصهاينة العمليات الارهابية في سورية وتؤيدها واشنطن وتمولها السعودية وقطر وبعض العرب وتصطف بحماس لمناصرة هذه العمليات جماعة الاخوان المسلمين من المحيط للخليج ويتداعى لمناصرة الارهابين والقتلة المجرمين كل القتلة ومن كل بقاع الارض .. حين يحدث كل هذا ونرى الاثرياء المترفون ينفقون وبسخاء ويفتحون خزائنهم لقتلة الشعب العربي في سورية , ونرى الهيئات والمنظمات الدولية المفترض بها أن تصون السلم والامن الدوليين , نراها تناصر وتؤازر العصابات الارهابية التي تؤغل في سفك الدم العربي في سورية , وحين نرى ونشاهد محاور النفوذ الاستعمارية تنهمك حتى الثمالة في متابعة العمل الإجرامي وسياسة القتل اليومي الذي ترتكبه العصابات الإرهابية التي يقف خلفها كل أعدا الحرية والسيادة والاستقلال والكرامة , نعم من يقف وراء العصابات الإجرامية التي تستهدف ضرب مقومات الدولة العربية السورية وتمزيق نسيجها الاجتماعي , فأن الأمر يستحق التأمل والتفكير , كما يستحق الأمر إعادة قراءتنا لدوافع وأسباب هذه الأفعال الإجرامية وحسابات أطرافها وغايتهم , حتى وأن كنا ندرك جيدا حقيقة الأهداف والدوافع التي تقف خلف ما يحدث في سورية , غير أن إعادتنا لقراءة معطيات ما يحدث يجعلنا نستشرف تداعيات حدث يصعب تجاوز ليس جراحاته بل استحقاقاته التي تشير إلى أن ميلاد عالم جديد وشرق أوسط جديد ,وأن كان العالم الجديد سيتشكل بأطياف روسية وصينية , فأن شرق أوسط جديد يوشك فجره على الانبثاق يتشكل بهوية وأطياف وإرادة سورية عربية مقاومة وممانعة , لا أقول هذا بدافع من حلم طوباوي ولا نتاج شعور سفسطائي عابر بل عن يقين أقول أن عقدة الشرق الاوسط الجديد التي جبلت فيها واشنطن وأذنابها تبخرت بميلاد شرق ولكن بهوية شرقية مؤغلة بالأصالة ومجبولة بكل قيم الهوية والانتماء القومي والعروبي والإنساني والحضاري بعيدا عن ثقافة الارتهان والامتهان المذل الذي تسوقه بعض العربان بطريقة راقصة (التعري) ..؟
أن سورية رقم صعب في المعادلة القومية والشرق أوسطية والمتوسطية وبالتالي فأن الموقع الجغرافي لسورية يمثل بحد ذاته سلاحا استراتيجيا بيد الإرادة القومية العربية في سوريا ناهيكم أن لسورية من مقومات الصمود والانتصار مهما تكالب عليها الأعداء أو تهافت عليها قوى الشر ويكفي التأمل في مفردة أطلقها الرئيس الدكتور بشار الأسد بعد أن أنهى كلمة له أمام ممثلي الشعب العربي السوري حيث قال عبارة من المهم التوقف أمامها ( سورية .. الله يحميها) عبارة صدرت عن رئيس وليس أي رئيس ولكنه الرئيس بشار الأسد الذي لم يقول هذه العبارة جزافا ولا رجما بالغيب بل كان يعني وبثقة فحوى تلك العبارة التي قد لا يكترث لها الكثيرون لكن من يتعمق في البحث في أطياف خارطة حدث بحجم الحدث الذي تواجهه الجمهورية العربية السورية , وبقدر ومكانة ودور الجمهورية العربية السورية التي تدير الأزمة بكل موضوعية ودبلوماسية وحنكة وثقة لم نراها في خارطة الأحداث العربية ولن نراها بغير سورية التي لها رؤى استراتيجية راسخة بدليل الموقفين ( الروسي والصيني ) في مجلس الأمن وفي مختلف المحافل الدولية والإقليمية وهما الموقفان اللذان لم تأتي بهما الصدف ولم يكون نتاج لرد فعل عابر بل أن الموقفين الروسي والصيني هما نتاج علاقة استراتيجية تتجاوز الزمن والمكان ,علاقة راسخة وعميقة ومتينة ومتسلحة بتفاهم يتجاوز تفاهم المتآمرين الذين يتكالبوا على سورية ,وقد تفاجئ المجتمع الدولي بالروسي والصيني داخل مجلس الأمن , وأجزم إن واشنطن وحلفائها مجتمعين وبكل أشكالهم وحساباتهم لم يكونوا يتوقعوا رد الفعل الروسي والصيني ولهذا بدت مندوبة واشنطن مذهولة لدرجة أنها خرجت عن بلغتها عن بروتكول اللغة الدبلوماسية المتعارف عليها , فيما عرب الخليج أصيبوا بذعر عبرا عنه رئيس الوزراء القطري وهو يسعي خلف الكواليس في مهمة عبثية وسافرة لإقناع المندوب الروسي وبكل غباء وعدمية لتعديل موقف بلاده عارضا عليه امتيازات لا حصرا لها الأمر الذي دفع المندوب الروسي للرد على رئيس الوزراء القطري بطريقة جاءت أكثر قوة من قوة (الفيتو) وهذا ما دفع الرياض وحكامها إلى الخروج عن تأمرهم الصامت والتحريض من وراء حجاب فقفزت أسرة ( آل سعود) لواجهة الحدث كاشفة عن هويتها ودورها بكثير من الغضب المسعور بالقبح والمجبول بالوقاحة وقلة الحياء , بل وغادرا السعوديون دائرة التأمر الصامت والتحريض المبطن معلنين صراحة المهمة المؤكلة إليهم من محاور النفوذ الاستعماري التي تحكم وتتحكم بحكام مزعومين على الكانتونات الخليجية الغارقة بالجهل والتخلف ..؟
وكتجسيد لفلسفة أو استراتيجية (الصدمة والرعب ) التي تبناها (تيار المحافظون الجدد ) في أمريكا , شاهدنا ورأينا وسمعنا حكام قطر والسعودية يطالبون بالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان للشعب العربي في سورية , بل ويطلبوا من الرئيس الدكتور / بشار الأسد التخلي عن السلطة وتشكيل حكومة وحدة وطنية وأجراء انتخابات رئاسية ديمقراطية شفافة ..؟ ومن يطالب بكل هذا قطر والسعودية ...؟؟
تلكم هي ( استراتيجية الصدمة والرعب ) التي سوقوا لها وجربوها في العراق بدءا من اعتقال الرئيس صدام حسين وطريقة تسويق خبر اعتقاله ثم محاكمته والتهم التي حوكم بسببها , ثم اختيار يوم مقدس لدى العرب والمسلمين لتنفيذ حكم الاعدام بحقه ,الأمر لا يختلف مع العقيد القذافي , وأيضا مع مبارك الذي يجرجر من محكمة لمحكمة ومن نيابة لنيابة على ناقلة إسعاف , هذه الصور إذا ما ربطناها بصور المعتقلين في سجن أبو غريب وجوانتاناموا وسجون أفغانستان , فأننا سنجد أنفسنا أمام استراتيجية حاقدة وانتقامية ومهينة والغرض منها تدنيس كل ما هو مقدس بالذاكرة الوطنية والقومية , كل هذا إذا ما أضفنا إليه الشخصيات البديلة التي حلت بدل كل الكارزميات العربية اتفقنا أم لم نتفق معها فأن الصورة تكون مأساوية حقا وبشعة لدرجة التقيؤ..؟؟
وبعيدا عن كل هذا التصوير العابر دعونا نعود لموضوعنا الأساسي , وأقول أن لسورية خصائص ومقومات تاريخية وحضارية تجعلها بعيدا عن فلسفة التآمر مهما كانت الأطراف المتآمرة وكانت قدراتها المادية والمعنوية والعسكرية والنفوذ , وأعتقد أن عودة قليلة للورى وتحديدا لمرحلة الغزو الصهيوني للبنان ومواقف الرئيس الراحل حافظ الاسد طيب الله ثراه الذي لم يكون قائدا عابرا ولا زعيما مرحليا بل كان ولا يزل الزعيم الذي امتلك الرؤية والمنهج , كما امتلك الروية والحصافة والنظرة الثاقبة والفكر الاستراتيجي المتجدد الذي لا تربكه الظواهر ولا تفقده الاحداث توازنه , وبشهادة ( فيليب حبيب ) المحاور الأمريكي العروف ب( الثعلب) في دهاليز البنتاجون والبيت الأبيض , والأخر هو داهية الخطط والمخططات الأمريكية ( سي الصيت والسيرة) هنري كسينجر وهو الذي كان أكثر الساسة في أمريكا من تحدث مطولا عن الرئيس الراحل حافظ الأسد في مذكراته التي توقف فيها كثيرا عند تداعيات حرب تشرين أكتوبر 1973م إذ كان للرئيس الراحل الفضل في كشف مخططات كيسنجر وأمريكا مبكرا , بل يومها كانت مخططات واشنطن لا تزل في صفحتها الأولى ..لتحسم سورية والرئيس حافظ الأسد أمرهما من كل تداعيات الراهن وما سبقه من إرهاصات إقليمية ودولية لم تكون مجتمعة إلا بذور لما تحاول واشنطن حصاده اليوم , وأقول حسمت سورية وقائدها الراحل حافظ الأسد أمورهما بعد لقاء ( سويسرا) الشهير بين القائد الراحل وبين الرئيس الأمريكي كلينتون الذي لم يستمر لدقائق وربما أقل وكانت ( بحيرة طبرية) مفتاح اللقاء وعنوان النهاية حين قال الرئيس الأمريكي ضاحكا للرئيس القائد حافظ الأسد ( هل لا زلت متمسكا بفكرة السباحة في بحيرة طبرية) فكان رد القائد الخالد متناغما ومتماهيا مع متطلبات اللحظة فرد عليه مؤكدا وبإصرار على هذا الحق المشروع دون أن يغفل بتذكيره بحكاية ( جورج واشنطن) مع الحاكم البريطاني للمستعمرة الامريكية وقصة بحيرة (فكتوريا ووادي الموت) ..؟
يقول مقربون لكلينتون إن الرجل وبعد أن غادر القائد الخالد طاولة الجلسة متجها للمطار ليستقل طائرته ويعود لدمشق , يقال أن الرئيس الأمريكي هاتف مباشرة معلم ساسة أمريكا ( كسينجر ) ليحكي له ما حدث فرد عليه ( كسينجر) ألم أبلغك مسبقا أن حافظ الاسد يحمل من الذكاء والدهاء ما لم تعهده من الحكام الذين اعتدت عليهم ..؟
لهذا أرى أن كل هذه التراكمات شكلت قوة حضارية فعالة في سياق التوازن الاستراتيجي مع العدو ومع محاور النفوذ ومفهوم التوازن الاستراتيجي أطلقه القائد الخالد حافظ الاسد ولم يستوعبه الكثيرون حتى من النخب الثقافية العربية الذين لم يبلغوا مكانة رجل عصرته الاحداث لكنه قبل كل هذا وذاك كان رحمه الله قارئا جيدا للتاريخ ومستوعبا لتداعياته كما كان يدرك مخططات عدوه وهذا ما أكسب دمشق مميزات رفدت قدراتها الحضارية والتاريخية فغدت وبجدارة عاصمة الفعل القومي وحاضنة الأمة ورافعة لواء أحلام وتطلعات الشعب العربي من المحيط للخليج وتلك حقائق لم يستوعبها ولن يستوعبها مترفي الخليج الذي يتوهمون أن الثروة تصنع المجد والدور وهذا فهم قاصر ,ولوا كان المال يصنع المكانة والدور والفعل التاريخي لكانت أسرة (آل سعود) تحكم العالم بما قدمت من أموال طيلة ستون عاما لتكون بديلة عن دمشق أو القاهرة ولم تتمكن من تحقيق هذه المكانة ,لتأتي الاحداث وتعيد للذاكرة ( السعودية) هذا الحلم لكنه تحطم إمام إرادة وصمود وتماسك سورية قيادة وشعب مؤسسات , وأمام دور أخر انطلق ليرسم بريشته خارطة جديدة للعالم وهو الدور الروسي والصيني , فإذا أخذنا دور وموقف ومكانة ( طهران) فأن هذا التفاعل يشكل حصنا لسورية هي تملك مقوماته الجيوسياسية وبما يجعلها فاعلا في سياق الأحداث بثمن قد يكون مؤلم مقارنة بما يحدث اليوم لعاصمة الاموين وحاضنة الاديان وقطب الامة وكعبة أحرار العالم , لكن قليلا من الالم يعطينا المزيد من الشعور بحلاوة الشفاء وقيمته .. للموضوع تتمة,,

في الخميس 16 فبراير-شباط 2012 05:41:53 م

تجد هذا المقال في حزب البعث العربي الإشتراكي-قطراليمن
http://albaath-as-party.org
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://albaath-as-party.org/articles.php?id=295