الجامعة العربية .. نهاية أم بداية؟!
د.عيسى درويش
د.عيسى درويش
صمدت الجامعة العربية كمنظمة إقليمية خلال ما يزيد على ستين عاماً من تأسيسها، وعلى الرغم من ضعف بنيانها التنظيمي ومحدودية دورها السياسي وانعدام الآفاق الاقتصادية لديها، رضيَ العرب ببقائها على مبدأ زوج من عود خير من قعود.
غير أن ضعف ميثاقها وخاصة في مواده التي تنطلق من ترسيخ مبدأ الانفصال لا الوحدة وذلك بتعظيم الخصوصية القطرية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية والغلو في مبدأ السيادة الوطنية على حساب الالتزام القومي والوحدة القومية والرضا بإعطاء درجة سفير لأمينها العام ودون هذه المرتبة للمساعدين وكبار الموظفين ومحدودية الصلاحيات بكونها سكرتارية عامة لتسجيل محاضر المؤتمرات والاجتماعات للحاضرين وهي انعكاس للحالة العربية بكل تطوراتها.
أما القرارات فلا تلزم إلا من يوافق عليها،  ولذلك بقيت هذه القرارات حبراً على ورق، فالنظام الداخلي للجامعة يقول: إن القرارات تؤخذ بالأغلبية إذا كانت قرارات إجرائية وبالتوافق إذا كانت قرارات ذات صفة جوهرية،ومبدأ التوافق كان صعباً خلال حياة هذه الجامعة ، حيث سادتها الانقسامات بين أنظمة ملكية وجمهورية أو رجعية وتقدمية أو مع الولايات المتحدة الأمريكية أو مع الاتحاد السوفييتي.
وكلنا يذكر الشعار الذي طرحه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر حول وحدة الهدف وليس وحدة الصف وخاصة بعد الثورة اليمنية والدفاع المصري عنها وبين تدخّل السعودية لحماية النظام الملكي وأسرة حميد الدين في اليمن.
وفي منتصف الخمسينيات وأثناء المد القومي العربي وحركات التحرر الوطني من الاستعمار بعد ثورة الجزائر في 1954، حاول بعض العرب تقوية الجامعة العربية عن طريق إضافة ملاحق واتفاقيات للميثاق مثل معاهدة الدفاع العربي المشترك والمجلس الاقتصادي والاجتماعي ومجلس الوحدة الاقتصادية.
ولكن انقسام العرب الى محاور والتبعية للأجنبي والضرب عرض الحائط بتطلعات الجماهير العربية أدى الى إبقاء الجامعة العربية كياناً هزيلاً لا حياة فيه سوى للمظاهر الخادعة، حتى أن السيد عمرو موسى اعتبر نفسه رئيساً في البروتوكول وليس سفيراً كما يقول الميثاق، ووضع نفسه في مرتبة أعلى من وزراء الخارجية ، فراح يحضر المؤتمرات وبمشاركة أقطاب الصهيونية العالمية مثل بيريز وغيره، وكلنا يتذكر حادثة مؤتمر دافوس،كما أنه كان يسافر بطائرة خاصة، ما أغضب دول مجلس التعاون الخليجي وامتنعت فترة عن دفع المستحقات السنوية للجامعة ما أدى  الى تجميد برامج الجامعة وإغلاق مكاتبها الإعلامية في الخارج حتى تم إخضاع عمرو موسى وإدخاله في حظيرة الاعتدال العربي، والجميع يتذكر الغرام والحب بينه وبين سعد الحريري واستخدام طائرات الحريري في أسفاره وتصريحاته النارية ضد سورية بعد اغتيال الحريري.
وعجز الجامعة العربية عن أن تقدم شيئاً للمقاومة في فلسطين حتى أن الرئيس عرفات مات محاصَراً وشهيداً مقتولاً في رام اللّه .
وعجزت الجامعة العربية أن تقدّم شيئاً للمقاومة في لبنان في عدوان 2006 سوى الاجتماع الشكلي لوزراء الخارجية في بيروت ليشهدوا دموع السنيورة في الوقت الذي كان يعانق كونداليزا رايز في السفارة الأمريكية في بيروت ويشرب نخب انتصار إسرائيل المتوقع ويبارك لرايز إقامة الشرق الأوسط الجديد .
صحيح أن هزال الجامعة العربية لا يتحمله الأمين العام لأنه موظف بمرتبة سفير كما قلنا لكي لا نظلم عمر موسى أو غيره، ولكن علينا ألّا ننكر الأمناء العامين للجامعة عندما شعروا بأن الوظيفة التي يحتلونها تخالف مبادئهم ومبادئ الأمة التي ينتمون إليها أمثال المرحوم محمود رياض الذي قدم استقالته من الجامعة عقب ذهاب السادات للقدس وتوقيع اتفاقية كامب ديفيد المشؤومة عام 1979 واستقالة الشاذلي القليبي في أعقاب معاقبة العراق بعد انسحابه من الكويت 1991 والاستمرار في قصف مدنه وحصاره اقتصادياً وسياسياً .
بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد 1979 وخروج مصر من نظام الأمن القومي العربي الجماعي ممثلاً باتفاقية الدفاع العربي المشترك عجز النظام العربي ممثلاً بالجامعة عن القيام بأي شيء في أعقاب غزو لبنان 1982، واحتلال القوات الإسرائيلية لأول مرة في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي لأجزاء من العاصمة بيروت. هذه الكارثة خلقت عند الوطنيين العرب عقيدة المقاومة وأنه لا سبيل لوقف العدوان الإسرائيلي سوى المقاومة، واستطاعت المقاومة الوطنية في لبنان مدعومة من سورية أن ترغم الجيش الإسرائيلي على الانسحاب الى جنوب لبنان وإقامة المنطقة العازلة والتي تكفّلَ بتحريرها لاحقاً حزب الله والمقاومة الإسلامية،وتحرير جنوب لبنان بقوة السلاح وليس بالقرارات الدولية ومنها القرار 425، حيث عجزت الجامعة العربية  ودولها أن تحرر شبراً واحداً من الأراضي العربية المحتلة حتى الآن من دون المقاومة وتضحياتها، ولبنان وفلسطين شاهدان على ذلك .
وعودة الى الجامعة العربية وموضع الاستغراب فيها هو عجزها طيلة عشر سنوات أن تجعل للمبادرة العربية التي قدمها عبد الله بن عبد العزيز خادم الحرمين الشريفين أية قيمة سياسية أو استرايجية ، وبقيت في غلافها الأخضر الأنيق  في أدراج وزراء الخارجية العرب وأمينها العام، وزاد الطين بلة أن هذه المبادرة بقيت حية صامدة على الرغم من تمزيق شارون لها عام 2002 واحتلال غزة والضفة الغربية مجدداً،والعدوان على لبنان 2006، والعدوان على غزة 2008، ومعاقبة الشعب الفلسطيني بالحصار والاغتيال وإقامة المستوطنات واستمرار حصار غزة ومحاولة هدم المسجد الأقصى.. علىالرغم من كل ذلك صبرت الجامعة العربية على إسرائيل ولم تيأس منها ، وضاق صبرها على سورية وشعبها ولم تقم هذه الجامعة ولا دولها بإجبار ما يسمى بالمعارضة في سورية على الحوار والجلوس إلى طاولة المفاوضات في حوار أخوي لصالح أبناء الشعب السوري كله.
والسؤال هو: لماذا هذا الإسراع بتجميد عضوية سورية في الجامعة، وإذا تمّ إخراج سورية من الجامعة ، وفي ظلّ ما تعانيه مصر الآن في مرحلتها الانتقالية،وكذلك السودان واليمن والعراق، ماذا تبقّى من الجامعة العربية؟!، ولماذا ضاق صدر العرب بتقرير الفريق محمد الدابي وقرروا سحب المراقبين والذهاب الى مجلس الأمن، ولماذا لم يأخذهم هذا الحماس من أجل فلسطين بعد أن رفضت الولايات المتحدة لجم إسرائيل عن بناء المستوطنات ووضع فيتو أمريكي على الدولة الفلسطينية حتى بالصيغة الهزيلة المطروحة لدولة بلا سيادة ولا جيش ولا القدس العربية ومسجدها الأقصى.
ولماذا يتحمس الأمين العام نبيل العربي لإلقاء الخطب والتصريحات حول سورية ولم تأخذه الحميّة على الاغتيال اليومي للفلسطينيين في غزة والضفة الغربية من قِبل الطائرات الإسرائيلية؟!.
لماذا لم يغضب نبيل العربي من اعتقال النواب الفلسطينيين في كل مكان من أراضي فلسطين حتى رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني عزيز الدويك ثم اعتقاله للمرة الثانية.
لماذا لم يغضب نبيل العربي من تهديد الأمن القومي المصري في جنوب السودان وقيام إسرائيل بالسيطرة على حوض النيل؟.
والسؤال: لماذا يعمّ الفقر الوطن العربي ولم نشاهد المال العربي ينقذ جياع الصومال وفلسطين والسودان،في حين ما تم دفعه لقتل السوريين مليارات الدولارات؟!.
إسرائيل الآن تقيم تفاهمات مع بعض الأنظمة العربية وتقوم سفنها وطائراتها بالتحليق في المجال الإقليمي الجوي والبحري لبعض الدول العربية، في حين يتم التنكر لسورية التي قامت بالتضحيات من أجل العرب.
لقد ماتت الجامعة العربية وأصبحت جامعة للأنظمة الملكية في مجلس التعاون الخليجي، مضافاً إليها المملكة الأردنية والمغربية، والسؤال:لماذا هذا التوقيت في مخطط الشرذمة والانقسام؟! ومحاولة عزل الجزائر؟! والجواب هو رغبة الولايات المتحدة في دفع العرب لقتال إيران تحت شعارات عنصرية ومذهبية ولمصلحة إسرائيل والولايات المتحدة.
لمن يتم شراء الأسلحة بمليارات الدولارات؟ وهل تم توجيه هذه الإمكانات من أجل فلسطين؟ أم تمّ صرف مليارات الدولارات من أجل التنمية العربية؟.
وثمة من يقول:إن نجاح الإسلاميين في المغرب وتونس وليبيا ومصر واحتمال تشكيل جامعة إسلامية في القريب العاجل تضم تركيا يشكل مقدمة لنظام إقليمي جديد مكان الجامعة العربية.
أصبح هذا الأمر مصدر إزعاج لبعض الأنظمة الملكية والعائلية وسيؤدي الى انقسام العرب مرة أخرى بين أنظمة جمهورية إسلامية وأنظمة ملكية، لاحياة للشورى والديمقراطية وحقوق المرأة فيها سوى الشكل، وتفسير الإسلام كما يشاؤون بفتاوى من مشايخ الناتو الذين ما شبعوا من فتاوى القتل في ليبيا وسورية والعراق.
أسئلة كثيرة مطروحة على جميع الأصعدة؟ الخاسر فيها هم العرب بشكل عام والفقراء العرب بشكل خاص ..
وسيقف الإسلام الحقيقي والعروبة الحقيقية في وجه هذا التزوير الفاضح الذي لا يخدم سوى مصلحة إسرائيل والولايات المتحدة، فهل تجدي صرخة لعاقل يقول كما جاء في كتاب الله الكريم " وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان إن أكرمكم عند الله أتقاكم". فهل أنتم فاعلون وبكتاب الله مؤمنون ؟!

في الثلاثاء 21 فبراير-شباط 2012 08:42:32 م

تجد هذا المقال في حزب البعث العربي الإشتراكي-قطراليمن
http://albaath-as-party.org
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://albaath-as-party.org/articles.php?id=306