مع الحوار ولكن..!
عادل أمين
عادل أمين

وفقاً للألية التنفيذية للمبادرة الخليجية من المفترض أن ينعقد مؤتمر للحوار الوطني خلال الفترة الانتقالية الثانية التي أعقبت الانتخابات الرئاسية, لمعالجة أزمات اليمن المتفاقمة وفي مقدمتها أزمة صعدة والجنوب ومشكلة الإرهاب والوضع الاقتصادي المنهار. وكانت الآلية التنفيذية حددت قبل ذلك الشروع في هيكلة القوات المسلحة والأمن خلال الفترة الانتقالية الأولى التي أعقبت توقيع المبادرة, على أن يتم استكمال الهيكلة خلال الفترة الانتقالية الثانية. لكن ما حدث أن خطة الهيكلة فشلت في المرحلة الأولى وتعثرت في المرحلة الثانية, وتبعاً لذلك, ما يزال الرئيس هادي يكابد لاستعادة الدولة المختطفة. وهذا ما دعى إليه الأمين العام للحزب الاشتراكي اليمني الدكتور ياسين سعيد نعمان، حين قال إن على الرئيس عبدربه منصور هادي أن يبدأ باستعادة الدولة، معتبرا أن انقسام الجيش لم يعد مبررا بعد انتخابات فبراير الرئاسية. وقال ياسين في حوار له مع صحيفة البيان الإماراتية: «أعتقد أن الناس صوتوا لعبدربه كرئيس جديد لليمن لكي يستعيد الدولة المصادرة؛ الدولة المغتصبة وهذه هي الخطوة الأولى ولا بد أن يبدأ أولاً باستعادة الدولة، وإذا لم يستطع أن يستعيد الدولة برغم هذا التفويض الكبير الذي منحه الشعب للرئيس باعتبار ذلك المقدمة الرئيسية لأي خطوة قادمة فأنا أعتقد أن علينا أن نراجع حسابات كثيرة». والواقع أن هذا مايقوم به الرئيس هادي الآن, فهو ما يزال يخوض صراعاً مريراً لاستعادة الدولة المختطفة من قبل عصابات النظام السابق الذي من المفترض أنه سقط وتنحى جانباً, لكنه حتى اللحظة يرفض التنحي, ويحاول التشبث بالسلطة بكل ما أوتي من قوة, رغم معارضة المجتمع الدولي كله وليس اليمنيون فقط. وعلى هذا الأساس, يطرح السؤال التالي نفسه: هل انتهت عملية استعادة الدولة من خاطفيها؟ بعبارة أخرى, هل صارت الظروف مهيئة وملائمة لانطلاق صفارة الحوار رغم كل ما يكتنف الوضع الداخلي من تعقيدات سياسية وأمنية وعسكرية؟ سيقال بأن الحوار ما جاء إلاّ لأجل ذلك, بمعنى أنه بواسطة الحوار وحده يمكن تفكيك عناصر الأزمة اليمنية وإخراج البلد من المأزق الذي يعيشه. وهذا صحيح إلى حد ما, لكننا مجمعين على أن العنصر الرئيس في ما نعانيه, والمتسبب الأول في كل أزماتنا هو نظام المخلوع صالح, وبقايا نظامه الذي ما يزال يمسك بمفاصل المؤسسة العسكرية والأمنية حتى اليوم, ويرفض تسليم السلطة ويتمرد على قرارات رئيس الجمهورية المنتخب. وبالتالي كيف سنذهب إلى الحوار لنتفق على آلية معينة لإنهاء الوضع القائم, ووضع الحلول لأزمات البلاد في الوقت الذي لم نتمكن بعد من إنهاء مشكلتنا الأساسية مع العائلة وفلول النظام السابق؟ كيف سنتمكن من فرض نتائج الحوار التي سنخلص إليها في ظل وضع أمني وعسكري خارج سيطرة الرئيس هادي وحكومته؟ وما يزيد الأمر تعقيداً هو تلك المطالب التي تقدم بها البعض كشروط لانخراطهم في الحوار. فالحوثيون اشترطوا الاعتذار لهم عن الحروب الستة التي خاضوها مع نظام صالح, واعتبار من سقط منهم شهيداً, ودفع تعويضات!! والشيء نفسه تقدم به الحزب الاشتراكي مؤخراً, فقد وضع قائمة باثنتي عشرة نقطة كشروط لدخوله الحوار , من بينها الاعتذار عن حرب صيف 94 ودفع تعويضات للمتضررين المدنيين والعسكريين, فيما شباب ساحة التغيير بصنعاء وضعوا عشرين مطلباً كتهيئة للحوار, على رأسها القاء القبض على "صالح" وأفراد عائلته ومحاكمتهم, بالإضافة إلى محاكمة رموز الفساد في النظام السابق, ومطالب أخرى لا يتسع المقام لذكرها. والحراك تقدم بمطالب من ضمنها اعتبار الحوار بين شمال وجنوب, وتحت سقف القرارين الدوليين 924, و931 اللذين صدرا عقب حرب 94م. والواقع أنه لم يبق سوى تنظيم القاعدة ليقدم شروطه هو الآخر لدخول حلبة الحوار!

والسؤال مرة أخرى, هل هذه الاشتراطات المطرحة من قبل مكونات الحوار تسهم في الدفع بعملية الحوار أم تعيقه؟ أزعم أن هذه الاشتراطات لا معنى لها وغير ضرورية ولا تخدم مشروع الحوار الوطني وأهدافه الوطنية الكبرى. وإذا كان الرئيس هادي وحكومة باسندوة قادرين على تلبية مثل تلك المطالب قبيل إنعقاد مؤتمر الحوار كشرط لانعقاده فما الداعي لانعقاده أصلاً؟ وإذا كان كل طرف سيأتي بحزمة مطالب إلى الحوار ويحاول فرض أجندته وأهدافه الخاصة على الآخرين فما قيمة الحوار؟ وكيف سينتهي المآل بهذا الحوار وأية نتائج إيجابية يمكن أن يخرج بها في ظل ما تقوم به أطرافه من التمترس وراء مطالبها الخاصة؟ ما نفهمه هو أن مؤتمر الحوار الوطني إنما ينعقد بغرض حل أزمات اليمن وفق رؤى وطنية يتفق عليها الجميع, فإذا كانت مكونات الحوار وأطرافه تسعى منذ الآن لفرض رؤاها على مؤتمر الحوار, بل وتعتبرها شروطا ضرورية لمشاركتها فيه, فما الذي يمكن أن نؤمله من حوار كهذا!؟ المشكلة هي أن كل طرف يرى أن قضاياه الخاصة تعكس البعد الوطني في الأزمة الماثلة, ولا يريد النظر للأزمة الوطنية من منظار متجرد. الروح الوطنية التي يفترض أن تسود أجواء الحوار وتهيء له تكاد تكون غائبة, وهذا جوهر المشكلة, وهو ما ينذر بفشل الحوار, علاوة على ما ذكرناه آنفاً من استمرار سطوة العائلة على المشهد اليمني برمته. كيف يستقيم- مثلاً- المطالبة بمحاسبة كبار الفاسدين في النظام السابق في الوقت الذي تقف الحكومة عاجزة أمام شخص أو إثنين من الذين يقلقون الشعب اليمني بشكل شبه يومي في قطع التيار الكهربائي؟ ناهيك عن الوصول إلى صالح نفسه أوأقاربه!

أعتقد أن الرئيس هادي بحاجة لأخذ فرصة كافية كي يبدأ أولاً بمعالجة اختلالات النظام السابق ومشاكله التي لا حصر لها, معالجة تركة صالح وإرثه المثقل بصنوف الأزمات, كي يستعيد البلد عافيته, فالسلطة لم تنتقل بعد على النحو المطلوب, والجيش مايزال خارج السيطرة, والقرار السياسي مايزال ضعيفاً, والاعتماد كلية على الدور الخارجي في إنفاذ القرارات يهز من شرعية الرئيس, ويضعف سلطاته مستقبلاً ويجعلها رهن مشيئة الخارج. لذا أكثر ما يتطلبه اليمن اليوم يكمن في التوجه أولاً نحو تعزيز سلطة الرئيس, وإعادة بناء الدولة التي قال الدكتور يسين إنها ماتزال مغتصبة. الرئيس هادي واقع الآن بين فكي كماشة, ضغوط العائلة وتمردها عسكرياً من جهة, وضغوط الاحزاب وشباب الثورة وبعض الجماعات من جهة أخرى. وتلك الاشتراطات التي تقدم بها البعض تزيد الوضع المعقد تعقيداً, وتصعّب من مهمة الرئيس هادي, وتزيد الحمل عليه, بل وتحرجه أمام ملايين اليمنيين الذين منحوه أصواتهم.

إذا أرتم الصدق, فليؤجل مؤتمر الحوار الوطني إلى ما بعد إرساء دعائم الدولة الجديدة ورحيل كافة أقارب صالح من السلطة بشكل كامل. وعوضاً من أن يغدو الحوار مشكلة بحد ذاته ويزيد الطين بله, فلنتجه اولاً لاستكمال مقومات الدولة الجديدة التي خرجت الثورة لأجلها, فالشباب لم يخرجو أصلاً لتلبية مطالب الاحزاب والجماعات, أو لحل مشكلة صعدة والجنوب والإرهاب وغيرها, الشباب خرجوا لهدف واحد كبير هو إسقاط نظام علي صالح الذي جلب معه كل تلك المصائب, التي نحاول اليوم حلها قبل تأسيس الدولة المعنية بذلك. إذ من غير المعقول أن يستطيع الناس حل مشكلاتهم بمعزل عن سيادة الدولة وغياب سلطتها. كما أن الثورة الشعبية التي فجرها شباب طاهرون أحرار لم تخرج لمحاورة أحد أو مفاوضته, وهي لم تكن معنية منذ البداية بالتسوية السياسية ولا بتقاسم السلطة, وبالتالي ليس من شأنها الانخراط في أي حوار سياسي بعيداً عن الهدف الأسمى والنبيل الذي خرجت لأجله وهو إسقاط النظام السياسي القديم بالكامل, فإذا ما تم لها ذلك فلا ضير من أن تشارك فيما بعد في أي حوار وطني يهدف إلى إعادة ترتيب البيت اليمني من الداخل.


في الأربعاء 09 مايو 2012 04:10:29 م

تجد هذا المقال في حزب البعث العربي الإشتراكي-قطراليمن
http://albaath-as-party.org
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://albaath-as-party.org/articles.php?id=335