تأثير الفضائيات على الجمهور وثقافته
اااااااا
توثقت في العقود الأخيرة وما زالت تتوثق عبر المحطات الفضائية علاقات التعاون المثمر بين قطاعي المعلوماتية والثقافة الجماهيرية .
وتوجب على معظم دول أوروبا وآسيا، ولاسيما الصين وروسيا، التحكم بفضائياتها معاً في مواجهة خطر العولمة (القادم تحديداً من الولايات المتحدة الأمريكية)، حيث تعمل هذه الدول الآن، ولاسيما ضمن الاتحاد الأوروبي، على تحقيق مهام توجيه وتوعية، ودعم استقلال جماهير شعوبها سياسياً واقتصادياً وثقافياً عن طريق إيجاد رابطة وطنية بين المعلوماتية والثقافة بمختلف فروعها .
 أما الدول النامية ومنها الدول العربية فهي ما زالت رغم تفاوت قدراتها الاقتصادية تسعى إلى الاستقلال الإعلامي– الثقافي دون أن تحقق في سعيها نجاحات هامة تذكر، وذلك لأن البرامج الفضائية الإعلامية– الثقافية مازالت تتدفق على بلدان العالم الثالث من مصدر واحد قادم من الدول الغنية المتطورة التي مازالت تملك 80% من وكالات الأنباء العالمية، و90% من محطات البث الإذاعي والتلفزيوني، 95% من أجهزة الكمبيوتر وبرامجه متعددة الأنواع والأهداف .
وظل دور الإعلام العربي في الثقافة الجماهيرية مقتصراً على إعداد وبث بعض البرامج التربوية والتعليمية للصغار والكبار، وتزويدهم بالمعارف والمعلومات، وتطورت مع ازدهار المعلوماتية وانتشارها السريع أنواع غير مباشرة من التوعية مثل الدراما، والحوارات السياسية أو الاجتماعية أو الوطنية التي تبث عبر وسائل الإعلام، وهي توعية ضرورية ومؤثرة تهدف إلى تنوير المواطن وتثقيفه سياسياً واجتماعياً ووطنياً وقومياً، دون النظر إلى تفاوت درجات التعليم وآفاق المعرفة التي يتمتع بها المواطنون على اختلاف شرائحهم وقدراتهم الذهنية أو المادية .
لقد تحسنت على المستوى العالمي نوعية الاتصال بين المرسل والمتلقي، وكذلك الاتصال المعاكس بين المتلقي والمرسل، ونشأت مؤسسات اجتماعية خاصة توفرت فيها إمكانيات التفاعل المباشر بين وسائل الإعلام والتعليم من جهة، وبين الناس في كل مكان من جهة أخرى، ومن مختلف الأجناس الذين لم يعودوا مجرد مستمعين أو مشاهدين أو قراء بل أصبح باستطاعتهم المشاركة وطرح الأسئلة والآراء، وازداد بالتالي عدد مشاهدي المحطات الفضائية المختلفة وفترات جلوسهم أمام الشاشة أو الكمبيوتر أو الأنترنت.
وبينما يجهد قطاع التربية والتعليم في الوطن العربي لتطوير التعاون مع قطاع الإعلام الحديث المتقدم بتقدم المعلوماتية، فقد ظل قطاع التوعية السياسية والوطنية القومية المباشر في هذا السبيل مكتفياً إلى حد كبير باستقبال البرامج والمعلومات القادمة من العالم وبثها كما هي عليه دون تدقيق أو إعداد وطني سياسي ضروري يذكر .
وهذا يعني أن معظم محطات البث العربية مازالت، بعضها عن جهل والآخر ربما عن قصد ، تهمل مسألة صياغة الخبر القادم إليها عبر الأنترنت قبل إذاعته من الراديو أو عبر الشاشة، ولا تدرس بالقدر الكافي تأثير هذا الخبر أو تلك المعلومة على المتلقي من الناحية التربوية والسياسية والاجتماعية– الثقافية، بينما مازال علماء التربية والتعليم يحرصون باهتمام بالغ على صياغة المعلومات الجديدة التي يتلقونها، وتقديمها أو شرحها بأسلوب تربوي وطني، فإذا تلقاها الطلبة مباشرة من الجامعة البريطانية مثلاً على شكل كتب أو أشرطة فيديو أو سي دي انعكست تأثيرات مضامينها التربوية السياسية السلبية على المواطنين العرب، وقد أسرعت الصهيونية فأنشأت منذ عقود جامعة للدراسة عن بعد أسمتها " جامعة كل إنسان " هدفها الظاهري التعليم والإعلام، والهدف الباطني الحقيقي فكري– سياسي هو نشر الثقافة اليهودية والتعاليم الصهيونية داخل فلسطين وخارجها وفي العالم كله، وسمعنا بالمقابل عن مشروعات عربية للتعليم عن بعد مثل " الجامعة العربية المفتوحة " و " جامعة القدس المفتوحة "، لكنها مازالت قيد الإنجاز، ومازالت المنطقة العربية قاصرة عن مواجهة التحديات العولمية المدعومة من الامبريالية الأمريكية في مجال استخدام وسائل المعلوماتية الحديثة في قطاع التربية والثقافة الوطنية والإعلام .
كما أن المحاولات الجدية التي بذلتها بعض محطات التلفزة العربية منذ عقود لإنتاج برامج تربوية تعليمية، ومنها برامج " افتح يا سمسم "، وبرنامج " سلامتك "، وبرنامج "اسألوا لبيبة"، «من الألف إلى الياء»، هذه المحاولات المفيدة ظلت محصورة في التعليم والتربية المعرفية للصغار أو الكبار غير المثقفين، وبعيدة تماماً عن أي تنوير أو تثقيف سياسي – وطني أو قومي عربي ، ظل محدوداً في التعليقات المباشرة والبرامج السياسية المملة .
وقد استخدمت وتستخدم الحواسب سواء الحرة أو المرتبطة بالأنترنت في معظم المهن والإدارات الحكومية والتجارية والثقافية، وكذلك في تعليم مواد محددة كالرياضيات والعلوم الحديثة، لكنها لم تستخدم بعد كما يجب في الثقافة بأنواعها واختلاف شرائح مستقبليها، ما أوجد قبل سنوات عديدة فجوة ثقافية وفكرية عميقة في الوطن العربي والعالم الثالث كله، حيث بقيت الدول والشعوب المالكة لأنظمة الحواسب وبرامجها قادرة على نشر قيمها وثقافتها ولغتها وفقاً لأهدافها التي تتراوح بين الهيمنة والسيطرة والاستعمار الجديد وبين الحفاظ على الهوية والكيان الثقافي، بينما بقيت الشعوب الضعيفة المتخلفة تستقبل كل شيء دون أن ترسل شيئاً ذا قيمة أو منفعة لها ولأجيالها القادمة، ولا ينكر أحد اليوم أن وسائل الإعلام الالكترونية تترك آثاراً عميقة في الثقافة النظامية وغير النظامية ، واللانظامية ، يخضع لها، دون مقاومة أو مناعة تذكر ، مواطنونا العرب، كباراً وصغاراً، أغنياء وفقراء على حد سواء .
ولنتحدث تحديداً عن الثقافة السياسية التي كنا نسميها قديماً بالتوعية السياسية، ولنذكر بأسف أن وسائل الإعلام العربية مازالت في معظمها تشكل أجهزة خدمات مأجورة أو غير مأجورة لشركات ومؤسسات إعلامية عالمية كبرى خاضعة أو شريكة للقوة الامبريالية العظمى وهي الولايات المتحدة الأمريكية، والمقصود بهذه الوسائل الإعلامية العربية هو مختلف المحطات الإذاعية والفضائية بنسب متفاوتة طبعاً وفقاً لأصحاب أو ممولي هذه المحطة أو تلك، ولنوعية تأهيل وكفاءة القائمين على إدارتها ونزاهتهم ووطنيتهم وثقافتهم ومواقفهم السياسية والأيديولوجية، إن وجدت.
إن مسألة ارتباط الإعلام بالثقافة السياسية تبدأ من صياغة الخبر السياسي أو إعادة صياغته، وتنتهي بلهجة وأسلوب بثه وتلاوته على جماهير المستقبلين، مروراً بجودة برامج المحطة، والثقة الممنوحة لها، والسمعة التي تتمتع بها لدى المشاهدين، وكذلك بالعلاقة المباشرة بين المذيع من جهة، والمتلقي من جهة ثانية، وكم من خبر مهم سياسياً أفسده أو شوه مضمونه مذيع أو مذيعة سواء بسبب رداءة اللغة وكثرة الأخطاء، أو بسوء الأداء، وعدم فهم الكلمات المنطوقة، والتركيز على المهم منها داخل الجملة الإعلامية، أضف إلى ذلك عناصر النجاح والفشل في المكياج والإضاءة، ونوعية تسجيل الصوت الصادر عن الجهاز الإعلامي، والصور التي تلتقطها الكاميرا التلفزيونية، ومدى مصداقيتها وقبول مضامينها، وهذا ما ينطبق طبعاً على الدراما التلفزيونية ومسلسلاتها التي تتفاوت آثارها على المتلقي بين الجيدة المفيدة والرديئة الضارة .

في الخميس 03 يناير-كانون الثاني 2013 07:33:06 م

تجد هذا المقال في حزب البعث العربي الإشتراكي-قطراليمن
http://albaath-as-party.org
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://albaath-as-party.org/articles.php?id=414