الوعي القومي.. بعضُ سياقِه التاريخي
يوسف مصطفى
يوسف مصطفى
الوعي القومي الذي نقصده هنا هو «وعي فكري وثقافي» لكنه «حركي وفاعل جماهيرياً» ذلك أن وضع الأمة العربية وضع استثنائي ومفصلي، وتعزيز الإيجابي في حياة الأمة هو خيار استشرافي ومستقبلي، يجب أن يُعمل من أجله؛ فوعي الذات وإدراك الحاضر هو حاجة بناء للمستقبل.
لاشك أن الفكر القومي عانى الكثير من التعميم والرومنسية والشعارات، والعواطف، وانعكس ذلك قصوراً في عملية استنهاض الجماهير، وتماسك وعيها القومي، الكثير من هذه الجماهير تُجذب عاطفياً، وبخطابات محلية مختلفة ودعوات توصلها إلى زواريب الإقليمية، والمذهبية، والمحلية الضيقة، إن جزءاً كبيراً من جماهير لبنان، على سبيل المثال، كان في الموقع القومي في فترات ماضية، وهو اليوم عبر بعض زعامته والإغراءات المالية، واستغلال الحاجات ينجرف في اتجاهات ليست من تاريخه، وهذا مثل ينطبق على الكثير من الساحات العربية.

إن البحث في جذور الوعي القومي العربي هو سياق تاريخي يمكن أن يبنى عليه، ويؤسس لذاكرة ثقافية قومية.. وإعادة استحضار الجذور ليست تعداداً للمآثر والتغني بالأمجاد، لكنها عودة لفهم مقومات الوعي القومي في سياقه التاريخي، ويمكن القول إن القومية العربية بصورة متكاملة مفهوم معاصر ليس بالبعيد تاريخياً، لكن الوعي العربي الذي يعبر عن شعور الأمة بذاتها ويدفعها إلى تحقيق آمالها، وأمانيها قديم عند العرب.
القومية العربية هي الوعي العربي بمظهره الأخير، وفعله الحاصل، والوعي العربي ليس صدى لحركات قومية أخرى، بل هو تعبير عن «تنبه ذاتي».
في السياق التاريخي لبدايات الوعي العربي نرى أوليات عامة في الفترة السابقة لظهور الاسلام، ظهرت بدايات وعي وتوثب في الجزيرة العربية ومن موقع الرد على تحدي الامبراطوريات المحيطة بالجزيرة العربية سواء الساسانية في الشرق، أو البيزنطية في الغرب، تجلى الوعي مبدئياً في الاتجاه لتكوين لهجة أدبية موحدة بدل اللهجات المتعددة كانت لغة الشعر في البداية، ثم تمثلت في لغة القرآن الكريم.
في الحراك، والتوثب القومي كانت «معركة ذي قار» والهزة التي أحدثتها في شمال الجزيرة العربية؛ حيث توحدت القبائل العربية في وجه التحدي الخارجي.. وهنا ظهر ما نسميه في المصطلح «التحدي والاستجابة» وهو خاصةُ أصالةٍ وحيويةٍ في حياة أية أمة عندما تستجيب للتحدي.. وعلى الصعيد الاجتماعي برزت ظاهرة حركة الأسواق التجارية، وما أقامته من تبادل قاعدتُه اقتصادية، والدور الاجتماعي للاقتصاد في التلاقي، والحوار، والأسواق الأدبية الشعرية كمظاهر وعي اجتماعي.. من هنا ندرك دور العمل الاقتصادي الوحدوي في تعزيز العمل القومي.
وكان المظهر الثالث في الوعي القومي القلق الديني الذي سبق ظهور الإسلام، والدين أساس فكري اجتماعي يتجلى ذلك بالاتجاه إلى عبادة آلهة أعم وأشمل، والعبادة في بيوت مقدسة.. ثم ظهور اتجاهات نحو التوحيد الديني في اليمن والحجاز، وفي هذا الاتجاه كان الحج إلى الكعبة، والحج من عوامل الوحدة بين العرب.
بظهور الرسول العربي الكريم محمد(صلى الله عليه وسلم) تنبه الوعي العربي، وازداد تألقا، إذ أعطى الاسلام الوعي العربي وضوحاً في المعنى والاتجاه، فكان القرآن، ونزوله باللغة العربية، ولهجة قريش.. لقد رفض الإسلام الحياة القبلية وأعرافها وتقاليدها، وجاء لينظم الفوضى الاجتماعية، مكرساً الاتجاه للبناء وتكوين ونشر قيم، ومثل جوهرية موحدة، وغدت اللغة العربية رابطة كبرى، لقد وحّد الاسلام العرب لغة ورسالة.
في الفترتين الراشدية والأموية أخذ الوعي القومي دوراً جديداً في التعبير عن ذاته حيث انتظم العرب تحت راية واحدة، وقيادة واحدة، فكانت الفتوحات التي مثلت في جوهرها تعبيراً عن الطاقات الكبيرة التي تزخر بها الأمة العربية.. ومع للفتوحات عاملاً دينياً هو نشر الرسالة، وعاملاً اقتصادياً، إلّا مسألة الوعي والتوثب كانت أساسية فيها.
لقد رصّت الفتوحات صفوف القبائل وجعلتها تعي قضيتها، ووحدة مصالحها.. كما عززت الفتوحات، وقيام المدن الحضرية الاستقرار، ونشوء عوامل النظام، والإدارة بديلاً نسبياً عن حياة البداوة وتنقلها.
أما المسألة الهامة والمركزية في تبلور الوعي القومي فهي انسجام مفهومي العروبة والإسلام، وتكاملهما بحيث تجلى الاسلام «رسالة عربية».. كذلك كان للفتوحات دور في تحديد المفهوم الجغرافي للأمة، الأرض والحدود، ليأتي التعريب في الإدارة والدواوين فيساعدان في سيادة اللغة العربية كعامل وعي قومي وتواصل إنساني.
رغم الانتشار الواسع للفتوحات من الأندلس إلى الهند لكن مفهوم الدولة القومية الجغرافي تحدد على أساس ثقافي اجتماعي تاريخي، فكانت حدوده الوطن العربي بمكوناته، الجغرافية، واللغوية، والدينية، والاقتصادية.
أما المسألة الثقافية ودورها في تكوين الوعي القومي، فقد ظهر في الدراسات اللغوية والأدبية والتاريخية، ثم الاستفادة من الثقافات المحيطة، والقديمة اليونانية، والهندية والفارسية ومن مدرسة الاسكندرية في الفلسفة والعلوم وغيرها.. مما أغنى الثقافة العربية، وأعطاها إضافة للبعد القومي، بعداً إنسانياً.
يسود الرأي بأن العصر الأموي هو العصر العربي الخالص، والدور القومي العربي، لكن لابد من القول إن المرحلة العباسية عرفت تطويراً وتركيزاً في الوعي العربي باتجاه إدراك أكثر لموقع الذات القومية، والتراث الثقافي، والدور التاريخي، فهناك عوامل كثيرة بعضها موضوعي أدى لإشراك قوميات أخرى في الإدارة العباسية؛ فرسالة الإسلام إنسانية، وطبيعة الاتساع، والتنوع الثقافي، وغيرها، كان داعياً لمزيد من الانفتاح والمشاركة بغض النظر عن النتائج التالية، وأسباب انهيار الدولة العباسية.
وعندما اشتدت الحملة الشعوبية على العرب وتراثهم كانت هناك عودة إلى هذا التراث وجمعه، وتيسيره؛ ليكون أساساً في الثقافة العربية، وقد ظهرت في كتابات «الجاحظ وابن قتيبة» وغيرهما صورة حية للتراث العربي الجاهلي والإسلامي، وتواصله مع المراحل التالية الأموية والعباسية.
لم يستطع العرب في تاريخهم بلورة نظام سياسي عربي يربط مفهوم الأمة بمفهوم الدولة؛ ففي الفترة الأموية أقيم نظام سياسي يستند إلى العرب، وكان الولاء للدولة بمعنى السلطة فوق كل ولاء، في الفترات التالية.. لم يستطع العرب معالجة التناقض القائم بين الفكر والعمل في المسألة السياسية، فالكلام والشعارات في جهة والعمل السياسي في جهة أخرى، وهذا واقع قائم حتى اليوم.
أما المظاهر الحديثة للوعي القومي فكانت التنبه إلى حضارة العرب، وإلى دورهم التاريخي وإلى واقعهم المتراجع، وهذا كان أساس انطلاق الوعي القومي الحديث..
كانت بدايات هذا الوعي في القرن الثامن عشر وبدعوات طابعها إسلامي ينادي بإصلاح المجتمع، والعودة إلى الأصول، فكانت مدرسة محمد عبده الإصلاحية التي دعت إلى نفض الخمول، واستعمال الاجتهاد والفكر، وتأكيد الذات، وعدم الذوبان في الغرب.. ثم الكواكبي الذي دعا للعودة للتاريخ، وإلى نهضة اجتماعية ومعالجة الاستبداد في كتابيه «أم القرى- وطبائع الاستبداد» ودعا إلى اللامركزية، وإلى حقوق العرب على اختلاف مذاهبهم.
كانت مصر وسورية مجال ثقافياً تجلى بإنشاء الجمعيات الأدبية «الجمعية العلمية السورية ببيروت 1857» ثم حلقة طاهر الجزائري في دمشق، والجمعية العلمية السورية بنية ضمت من كل الطوائف والتيارات.
كانت مطالب الجمعيات كلها اعتماد اللغة العربي، وجرى التركيز على التاريخ العربي.. وجميع برامج هذه النوادي والجمعيات تؤكد على بزوغ وعي قومي جديد وعلى شعور بالمسؤولية.
حين نعرض لمسيرة الوعي القومي نرى أنها اشتقت من الجذور التاريخية للأمة العربية بإحياء تراثها، وتعزيز لغتها واقتران العروبة بالإسلام، وحين نعرض للجذور إنما نريد فهم ذاتنا لنستطيع الحركة عن وعي وإدراك في إطار استيعاب للخبرة التاريخية بروح العمل العصري وهذا يتطلب الإضافة والإبداع وليس التقليد الجامد.
في المسألة الاستنهاضية للفكر، والحراك القومي لابد من العمل الجماهيري لكل قوى الأمة الحية بين أوساطها وجماهيرها، لأن العلاقة مع الجماهير والبحث عن أشكال وأساليب نهوضها، وتطوير الحركة الجماهيرية على مستوى الوطن العربي هو ركن أساسي في أي نهوض قومي.. فالمعركة اليوم حدّية وفاصلة بين المشروع الامبريالي الصهيوني وأدواته في المنطقة، والخيار القومي بحده المقبول الذي يمنع الانهيار، والكثير من قضايا مستقبل المنطقة قد يتقرر على ضوء هذا الصراع.
إن الصراع في منطقتنا هو أحد المظاهر الاساسية لاحتدام الصراع على الصعيد العالمي.. وحركة الجماهير على الساحة العربية تتجلى بوجهين: الجمود والشلل، والثاني هو الانتفاضات التي تحدث بين فترة وأخرى، ولكن دون أن تتوفر عوامل الاستمرار لها.. إن أزمة الحراك الجماهيري هي جزء من الأزمة البنيوية لقوى وقيادات حركة العمل القومي العربي.
إن استنهاض الجماهير العربية يقتضي منهجياً صياغة برنامج ملائم، وإيجاد أشكال ملائمة لاستقطاب الجماهير، وامتلاك القدرة على الرؤية .. نعتقد أن من نقاطه الهامة:
- التحديد الصحيح لطبيعة المرحلة والأخطار التي يواجهها العرب، والانطلاق من اعتبار المرحلة، مرحلة تحرر، على ضوء مواجهة الاحتلالات الإسرائيلية والأمريكية، في فلسطين، والعراق وغيرها.
- على ضوء التحديد السابق ترسم استراتيجية النضال العربي التي تفرضها طبيعة المرحلة، والتركيز على اختيار الشكل الرئيسي فيها، والانتقال من شكل لآخر وحسب الظروف.
- الاهتمام بقضايا الشعب وحاجاته المباشرة كي يكون في موقع المستعد وغير المستهلك في قضايا حاجاته اليومية.
- اعتماد الخطاب الجماهيري وباللغة المفهومة لدى الجماهير لغة توصيل القضايا وفهمها، ومستوى طرح البرامج والشعارات لكل مرحلة وبلغة تعيها الجماهير.
- فضح قضايا الانحراف في مجرى النضال التحرري كما يحدث لدى بعض الأطراف الفلسطينية وبعض قياداتها، وإلى أين أدت هذه الانهيارات، وكذلك انحراف النظام العربي.
- ثم هناك أيضاً مسألة نسج التحالفات الوطنية الداخلية داخل الأقطار العربية بين قواها القومية، وتياراتها، وتوسيع جبهات العمل الوطني في كل قطر، وكذلك على الصعيد العربي العام لمواجهة نظام الرجعية العربية المتآمر على القضايا والمصير.
إن الواقع العربي يجعل الحاجة ماسة لإحياء حالة وعي قومي، واستنهاض الأصيل والجوهري والقومي، واعتماد الإحيائية الجماهيرية القومية كحاجة ماسة في معركة المصير القومي.

في الإثنين 19 أغسطس-آب 2013 03:19:06 م

تجد هذا المقال في حزب البعث العربي الإشتراكي-قطراليمن
http://albaath-as-party.org
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://albaath-as-party.org/articles.php?id=492