الفساد كظاهرة وسبل المكافحة
د.خلف على المفتاح
د.خلف على المفتاح
الفساد ليس ظاهرة جديدة فى حياة المجتمعات البشرية فقد جاء فى أحدى البرديات الفرعونية( اختلت الموازين- اختفى الحق بعضهم يحاول حتى خداع الآلية يذبحون الأوز كقرابين ويقدمون لها زاعمين أنها ثيران) وهذا النص يشير أشارة واضحة الى أن الفساد كان مترافقا مع وجود الانسان على هذه البسيطة , والأكثر دلالة على ذلك , أن الديانات السماوية كافة قد أفردت حيزا واسعا من دعواتها لاصلاح النفس الانسانية على قضية الفساد فى الأرض وضرورة اصلاح النفس الانسانية كمقدمة لاصلاح البشرية جمعاء.

ومع تطور الحياة الاجتماعي والاقتصادية تطورت آفة الفساد وازدادت مخاطره على المجتمعات البشرية وأصبح من أهم التحديات التي تواجهها خاصة فى ظل العولمة الرأسماية , وانفتاح الأسواق , وتشابك العلاقات الدولية , وتعاظم دور الشركات العابرة للقارات ونفوذها الذي أصبح أكثر تأثيرا من دور بعض الحكومات الوطنية .

وللدلالة على حجم الفساد على الصعيد الدولي تشير تقارير منظمة الشفافية الدولية الى حجم الفساد فى الدول الأوروبية لعام 2005 , قد تجاوز الــ500 مليار دولار , ونظرا لانعكاس الفساد وتأثيره على الوضع الأقتصادي وانعكاساته السلبية على المجتمعات أصبحت أكثر برامج الأحزاب والشخصيات الساعية للوصول للسلطة تضع علي رأس برامجها الانتخابية قضية مكافحة الفساد

 لقد أصبح الفساد يشكل تهديدا خطيرا للمجتمعات التي تسير فى طريق النمو باعتباره أحد أهم معوقات عملية التنمية من خلال استنزافه للثروات الوطنية وتدميره للمؤسسات العامة وتأثيره الكبير على سلم القيم الاجتماعية وبالتالي المنظومة الأخلاقية التي تشكل أحد أهم وسائل الحفاظ على الأمن الاجتماعي والاقتصادي للدول.

وقبل الدخول فى الحديث عن أسباب الفساد وسبل مواجهتها لابد من محاولة للتعريف بالفساد علما أنه- كظاهرة مرتبطة بتطور المجتمعات والعلاقات الاقتصادي المتشابكة – قضية لايمكن حصرها فى تعريف جامع مانع , بل انه يظهر بأشكال مختلفة تبعا لوضعية المجمتع الذى ينشأ فيه؛ لقد عرفت منظمة " الشفافية الدولية" الفساد بأنه:" استغلال السلطة من أجل المنافع الخاصة" أما صندوق النقد الدولي " فلم يقف عند هذه الحدود فعرف الفساد بأنه اساءة استعمال الوظيفة العامة للكسب الخاص كان يقول موظف أو شخص بقبول او طلب رشوة لتسهيل عقد أو استغلال وظيفة او سرقة مال عام أو اسناد منصب ما لشخص يهمه أو يرتبط به برابطة ما بهدف تحقيق مصالح شخصية أو عندما يعرض وكلاء او وسطاء لشركات او أعمال خاصة بتقديم رشى للاستفادة من سياسات او اجراءات عامة للتغلب على متنافسين وتحقيق أرباح خارج نطاق القانون , وكذلك السيطرة على مواقع عامة فى الجهاز الوظيفي أو فى قطاع الأعمال العام والخاص للأبناء والأقارب والأتباع بهدف نهب واستغلال المال العام

 وللفساد أشكال كثيرة قد تتركز أحيانا في حزمة واحدة وفي مستويات متعددة , فهناك ما يمكن تسميته " الفساد الكبير " و " الفساد الصغير ويقصد بالأول : الذي يصيب المرافق الأساسية فى الدولة , وكبار المسؤولين فى المواقع الاقتصادية فيها والذي ينتج عن عقد الصفقات الخارجية وابرام عقود التصدير والاستيراد أو اسناد العقود للشركات الأجنبية , وما يتلقاه مبرمو العقود مما يسمى " عمولة " وهي رشى مستورة.

أماالفساد الصغير – والذي يشكل فى النهاية فسادا كبيرا- هو الذي يصيب الجهاز الوظيفي فى الدولة من خلال تفشي الرشوة .وعدم تنفيذ المشروعات العامة بالمواصفات المطلوبة , وعدم تحقق الضرائب بالشكل المطلوب , وسرقة المال العام , وضعف الأداء الوظيفي . وأنعدم أو ضعف حس المسؤولية وعدم احترام القوانين والأنظمة وضعف هيبة مؤسسات الدولة وتراجع دور المؤسسات التربوية والتعليمية اضافة للتزوير والتهريب والتلاعب بالأسعار والابتزاز وتبييض الأموال ووضع الانسان غير المناسب فى المكان المناسب وتكريس ثقافة الكسل الفكري وانعدام المبادرة وسيطرة التفكير غير العلمي وغيرها من الأسباب .

 وللفساد أسباب وعوامل كثيرة منها الاقتصادية والأخلاقية والسياسية والتربوية ومنها ما يتعلق بالأجهزة الرقابية والقضائية ولاشك بأن العامل الاقتصادي هوأحد أهم عوامل الفساد فالفقر وتدني المستوى المعيشي فى ظل النزعة الاستهلاكية المتفشية فى المجتمعات هو من أهم الأسباب المؤدية للفساد والتي تدفع بالكثير من الفقراء ليكونوا لاعبين ثانويين فى كوميديا الفساد والى جانب الفقر ثمة أسباب أخرى وخاصة ضعف بعض مفاصل الأجهزة الرقابية والقضائية ان لم تكن هي منخرطة أصلا بعمليات الفساد من خلال التلاعب بالقوانين أو ممارسة الابتزاز أو التغطية على عمليات الفساد ولاشك بان ضعف الادارات وعدم كفاءتها وآليات اختيار الادارات هي أحد أهم أسباب الفساد يضاف الى ذلك ,عدم شفافية المؤسسات ,وعدم وضوح خططها ومشروعاتها أمام الرأي العام.

وباعتبار أن الفساد ظاهرة عالمية وله استطالاته على المستوى الدولي فلا بد من تنسيق دولي لمكافحته خاصة فيما يتعلق " بتبييض الأموال " وعمليات التهريب والمخدرات وعقد الصفقات فيما يتعلق بالتجارة الدولية , خاصة فى ظل العولمة الاقتصادية اليت حولت العالم الى ما يشبه " السوق الواحدة" فى ظل تشابكات دولية معقدة اصبحت تحكمها القوانين الدولية أكثر من القوانين الوطنية.

ومن خلال ماتقدم يتضح أن الفساد من أخطر التحديات التي تواجه المجتمعات فى الوقت الحاضر , بغض النظر عن موقعها أو شكل نظامها السياسي , وهذا يبرز الحاجة لاستراتيجيات وطنية لمكافحته وعلى عدة مستويات بعضها يقع عن عاتق الدولة , وبعضها الآخر على عاتق المجتمع ولا شك بان دور المجتمع لايقل أهمية عن دور الدولة فالخطوة الأولى تكون من خلال " تخفيف" منابعه من خلال التربية المنزلية والمدرسة , وهنا يبرز دور الأسرة والمؤسسات التربوية , والمنابر الدينية والثقافية والاعلامية , كذلك لابد من العمل على مزيد من الشفافية فى عمل المؤسسات وأن تشكل القيادية فى مختلف مستوياتها حالة القدوة فى عملها وسلوكها , وأن يشار اليها بالنزاهة والاخلاص بالعمل وتمثل القيم الأساسية والمنظومة الأخلاقية فى المجتمع وأن تحترم الأنطمة والقوانين وتحافظ على المال العام , وتنفقه فى أوجه انفاقه الحقيقية وتشديد فى محاسبة الفاسدين وتعمل على ترسيخ ثقافة العمل والانجاز واحترام القوانين , والنظر الى الوظيفة العامة على أنها وظيفة ومسؤولية اجتماعية فى الوقت ذاته.


في الخميس 29 أكتوبر-تشرين الأول 2009 08:18:54 م

تجد هذا المقال في حزب البعث العربي الإشتراكي-قطراليمن
http://albaath-as-party.org
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://albaath-as-party.org/articles.php?id=53