أميركا.. وإستراتيجيتها في الوطن العربي
د. خلف الجرادمن المعلوم أن السياسية الأميركية في الوطن العربي تقوم على أبعاد وأهداف إستراتيجية تهدد بقوة جوهر ومقومات الوجود العربي برمته , من هنا تأتي مسئولية المفكرين والمثقفين العرب الوطنية والقومية فى فضح وتعرية مرتكزات هذه الإستراتيجية وتوجهاتها وأغراضها , وطرح بدائل إستراتيجية مضادة ,من شانها وقف عملية تفتيت النظام العربي وتمزيقه إلي كيانات متصارعة , وأنظمة تابعة فالقوة الإستراتيجية المعادية تحتاج إلي قوة إستراتيجية قومية لمقاومتها(1).
أولا: الأهمية الإستراتيجية للوطن العربي ومرتكزات السياسية الأميركية :
يحتل الوطن العربي بامتداده القارة في آسيا وأفريقيا , وسواحله الطويلة على البحار والمحيطات, موقعا جغرافيا متوسطا هو بمنزلة حلقة الوصل بين القوى الدولية الكبرى في الشرق والغرب , ويعد محورا رئيسا من محاور الإستراتيجية الدولية من النواحي الاقتصادية والسياسية والعسكرية والحضارية في السلم والحرب على حد سواء.
وإذا أردنا التحديد لابد من الإشارة إلى أبرز أسباب وعوامل الجاذبية الإستراتيجية للولايات المتحدة أميركية شبة ثابتة ,إنما تتمحور حول المرتكزات الأساسية الآتية:
1- الوضع الجيو- استراتيجي للوطن العربي على الكرة الأرضية , الذي يتكون من أربعة مقومات تمثل في ذاتها قوة جذب للقوة الدولية وهي:
أ‌- الموقع الجغرافي الفريد (2)
ب‌- ثروات الطبيعية التي تملكها الأقطار العربية (3)
ت‌- المركز الحضاري للوطن العربي(4)
د- موقع الوطن العربي في مركز الحروب والأزمات الإقليمية والأهلية, هذه الحروب التي باتت تهدد مصالح الولايات المتحدة الحيوية(5)
2- تقسيم الجيو- سياسي للوطن العربي في إستراتيجية السياسية الأميركية.
يقسم مخططو السياسة الأميركية والقائمون عليها الوطن العربي إلى أربع دوائر جغرافيه , لكل منها مقوماتها أو خصائصها التي تربطها بأهداف ومصالح الولايات المتحدة في هذه المنطقة(6)
وهذه الدوائر هي:
الدائرة الأولى: تشمل منطقة الخليج العربي, وتضم دول مجلس التعاون الخليجي,
والعراق واليمن بالأضافة الى إيران . وتتركز مصالح الولايات المتحدة في هذه الدائرة في المجالات الاقتصادية والسياسية والإستراتيجية (7)
الثانية : وهي تقع قي قلب الوطن العربي وتضم كلا من لبنان وسورية والأردن وفلسطين ومصر , وتنبع أهمية هذه المنطقة من معها الاستراتيجي بالإضافة إلى وجود " إسرائيل" في مركز هذه الدائرة والدور الذي تلعبه لخدمة مصالح وأهداف أميركا في المنطقة العربية(8)
الثالثة : وتقع جغرافيا غرب وجنوب الوطن العربي وتشمل وادي النيل والبحر الأحمر والقرن الأفريقي وتضم كلا من مصر والسودان وجيبوتي والصومال وجزر القمر والهدف المركزي للسياسية الأميركية تجاه هذه الدائرة هو عزل هذه المنطقة عن محيطها العربي والأفريقي لأن التلاحم العربي الأفريقي يشكل قوة إقليمية تقاوم أميركا وجودها (9)
الرابعة: تشكل هذه الدائرة الجناح الغربي للوطن العربي والجزء الشمالي من أفريقيا وهي تمتد من حدود مصر الغربية الشواطئ المحيط الأطلنطي وتشمل كلا من ليبيا وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا (10) وأهداف أمريكا في هذا الجزء من الوطن العربي تتركز حول مشاركة أوروبا في استغلال ثرواته الاقتصادية وتامين المصالح الأميركية , والمحافظة على الوجود الأميركي الفاعل هناك (11)
3- المصالح الاقتصادي التي تشكل القاعدة الأساسية التي تقوم عليها السياسية الأميركية في الوطن العربي , وهي تشمل : صناعة النفط والعلاقات التجارية وإقامة المشاريع الاستثمارية في مختلف المجالات الاقتصادي.
4- التحالفات السياسية والعسكرية التي تقيمها الولايات المتحدة مع بعض دول الشرق الأوسط غير العربية مثل تركيا و" اسرئيل" وتعتمد أميركا اعتمادا قويا على تعاونهما معها في حماية مصالحها وتحقيق أهدافها القريبة والبعيدة في الوطن العربي(12)
إلى جانب هذه التحالفات تعمل الولايات المتحدة على تنسيق سياستها مع بعض الدول العربية التي تتركز فيها مصالحها والتي لها وزن استراتيجي مؤثر في ميزان القوى الإقليمي وذلك في أطار سياسة الاحتواء حتى لأتكون هذه الدول معادية لسياستها.
5- الاهتمام الأميركي التاريخي المبكر بالوطن العربي عبر الهيئات الدبلوماسية والمصالح التجارية والإرساليات التبشيرية والبعثات العسكرية والثقافة (13)
في ضوء ماسابق يمكن الاستنتاج بأن السياسة الأميركية لم تبدأ من الصفر بل استفادة من الإرث الاستعمار وسخرته لخدمة أهدافها , وحقق في هذا المجال نجاحات كبيرة(14)
ثانيا- الأهداف الدائمة والمصالح الحيوية الأميركية
يمتز علماء السياسة الدولية في دراستهم للسياسة الخارجية للدول لاسيما العظمى منها الأهداف الدائمة التي تسعى لتحقيقها , والتي تنبع من الفلسفة السياسية التي تقوم عليها النظام السياسي والمصالح الحيوية التي تتركز حول المنافع والمكاسب التي تستفيد منها الدولة وشعبها وتشمل النواحي الاقتصادية والعسكرية والثقافية وغيرها ولاشك في أن تحقيق الأولى يساعد على الحصول على الثانية التي تعزز بدورها قوة الدولة اللازمة لحماية أمنها واستقراره(15)

(1)الأهداف الدائمة: وهي:
. الأمن: ويأتي في مقدمة الأهداف التي تسعى إليها الولايات المتحدة في المنطقة العربية.... فالأمن العربي في المنظور الأميركي امتداد للأمن القومي الأميركي ,وحتى تحافظ أميركا على هدف الأمن في هذه المنطقة تستخدم كل الوسائل لاسيما العسكرية منها ,لأن الأمن يمثل القاعدة الأولى التي تقوم عليها الأهداف والمصالح الأميركية الأخرى.
.الاستقرار :يمثل الهدف الثاني للسياسة الأميركية في الوطن العربي والمفهوم الأميركي للاستقرار في هذه المنطقة تشمل الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي للدول والمجتمعات معا والمحافظة على الوضع القائم فالتغير أيا كان نوعه سياسيا أو اقتصاديا أو اجتماعيا غالبا ما يؤدي إلى الاضطراب الذي يؤثر بالضرورة على مصالح أميركا وأهدافها.
. المحافظة على توازن القوى الاقليمة: تبذل الولايات جهودا مستمرة من أجل المحافظة على توازن القوى بين دول منطقة " الشرق الأوسط (16) لكن التوازن الذي يخدم مصالحها وأهدافها ومصالح حلفائها ولاسيما " إسرائيل" وقد أثبتت التجربة أن هذا النموذج من توازن القوى المتحيز ضد المصالح العربية لم تحقق الغرض منه وهو الأمن والاستقرار .فقد شهدت المنطقة على مدى خمسين عاما ونيفا مايزيد على عشر حروب حدثت سبع منها في محيط الوطن العربي.
.منع قيام قوة إقليمية في الوطن العربي: أن وجود مثل هذه القوة الإقليمية يجعل التوازن الاستراتيجي في المنطقة لصالح البلاد العربية وهذا لاتفق مع سياسية أميركا ومصالحها ... فأميركا تعلن بوضوح أنها تعمل على أن تكون " إسرائيل" هي القوة المتفوقة عسكريا في المنطقة (( الشرق الأوسط))(17))
. منع انتشار أسلحة الدمار الشامل بين " الدول الشرق الأوسط " بمختلف أنواعها الذرية والكيميائية والبيولوجية , وكذلك الصواريخ بعيدة المدى القادرة على حملها ونقلها إلى مسافات طويلة . وهذا يعد هدفا مستجدا من الأهداف الدائمة لأميركا بعد حدوث تغيرات جوهرية عديدة في المنطقة خلال العشرين سني الممضية فانتشار هذه الأسلحة في منطقة مفعمة بالمشكلات والنزاعات التي أدت إلى وقوع عدة حروب بين دولها , يشكل تهديدا حقيقيا للأمن والاستقرار ومن ثم للمصالح الأميركية الحيوية فيها رغم أنها لاتمارس أي ضغط على " إسرائيل" التي لم توقع على اتفاقية منع انتشار الأسلحة الذرية وهذا الموقف نحو " إسرائيل" ينسجم مع إستراتيجيتها التي تسعى إلى جعل هذه الدولة متفوقة على بقية دول المنطقة.
(ب) المصالح الحيوية:
ترتبط المصالح الحيوية للدولة بالمكاسب المادية والمعنوية التي تحمل عليها من علاقاتها مع الدول الأخرى وتحقيق لها ولشعبها فوائد متنوعة متنوعة : اقتصادية وسياسية وثقافية وعسكرية والمصالح الحيوية ليست ثابتة أو محدودة كما هو السياسية وثقافية وعسكرية والمصالح الحيوية ليست ثابتة أو محدودة كما هو الحال بالنسبة للأهداف الدائمة .فهي تختلف من دولة إلي أخرى كما تتغير بالنسبة للدولة الواحدة من مرحلة لأخرى. وكلما اتسع نطاق الدور الذي تقوم بت الدولة على المسرح العالمي , زادت مصالحها وتعددت مع دول العالم (18) , وقد تأثرت الإستراتيجية الأميركية في هذه المنطقة بالعوامل التالية, وهي: ثروة النفط العربية وتحجيم دور الاتحاد السوفييتي كقوة عظمى تقترب حدودها الجنوبية من الوطن العربي ووقف المد الشيوعي والاشتراكي ولا نغالي إذا قلنا أن الصهيونية العالمية تأتي في مقدمة العوامل التي دفعت بالولايات المتحدة إلى الاهتمام بهذه المنطقة حتى غدت تمثل جزءا أساسيا من إستراتيجيتها الدولية.
وسنحاول هنا استعرض الأهداف والمصالح الأميركية في منطقة " الشرق الأوسط" وكيف استطاعت أن توفق بين هذه المصالح التي تبدو متناقضة .كما سنتعرض إلي الأهداف الأميركية بعد انتهاء الحرب الباردة واختفاء الاتحاد السوفييتي والأهداف الجديدة التي برزت وتبلورت في : منع انتشار أسلحة الدمار الشامل في المنطقة مقاومة الحركات الأصولية الإسلامية محاربة ومطاردة الإرهاب.
1-تأمين النفط:
على الرغم من أن الوصول الأميركي إلى بترول الشرق الأوسط يرجع إلى نهاية العشرينيات إلا أنه لم يكتسب قيمة إستراتيجية إلا بعد الحرب العالمي الثانية وبفعل عاملين رئيسين:
1-ما أصبح النفط العربي يمثله بالنسبة لاقتصاديات الولايات المتحدة والقوى الصناعية
2-تصاعد الحرب الباردة ومخاوف أميركا من إن يكون أحد أهداف السياسة السوفييتية هو حرمانهم من البترول.
وبناء على هذه التصورات لأهمية بترول " الشرق الأوسط" أصبح من الأهداف الأساسية الأميركية ضمان المحافظة على تدفق البترول بشكل آمن وبأسعار معقولة ومنع أي قوة محلية أو إقليمية أو دولية من التعرض لهذه المصالح ..وفى هذا السياق كانت حرب الخليج الأولى بين العراق وإيران وكانت المحصلة النهائية إضعاف هاتين القوتين الرئيستين وإنهاك اقتصادياتهما وهي اعتبارات صبت جميعها في المصلحة الأميركية وقد جاءت تداعيات حرب 1973 لكي تمثل اللحظة الثانية التي واجهت فيها الولايات المتحدة ما يهدد مصالحها البترولية في المنطقة . أما اللحظة الثالثة فقد حلت مع حرب الخليج الثانية وكانت النتيجة تأكيد الوجود الأميركي في المنطقة وضمان حماية نفط الخليج إضافة إلى حماية أمن (( إسرائيل)).
2-احتواء الشيوعية:
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية انتهي التحالف الذي جمع الولايات المتحدة مع الاتحاد السوفييتي لمحاربة النازية وبرزت الولايات المتحدة باعتبارها زعيمة ((العالم الحرب)) في الصراع الذي بدأ يتبلور مع الاتحاد السوفييتي وقد بدأ الصراع ينعكس ويتسرب إلي مناطق العالم الآخرة وكان " الشرق الأوسط" في مقدمة هذه المناطق بعد أوروبا وآسيا , وازدادت قيمة (( الشرق الأوسط)) مع ظهور طموحات الاتحاد السوفييتي في إيران وتركيا ما جعل الولايات المتحدة تعمد إلى بلورة سلسة من المبادئ والنظريات التي تستهدف احتواء الاتحاد السوفييتي ( نظرية ترومان- آذار 1947) ,( نظرية أيزنهاور-1957) .وقد جاءت حرب 1967 في الشرق الأوسط لكي تمثل قمة الصدام بين الولايات وتيار القومية العربية وكان التحول الجذري في أعقاب حرب 1973 الذي أدى إلى تراجع المكانة والوجود السوفييتي في المنطقة وتهميش دوره في العملية السلمي
3-ضمان أمن(( إسرائيل)):
من المعروف أن عددا من الدبلوسيين والخبراء والعسكريين الأميركيين قد اعترضوا على إنشاء دولة يهودية في فلسطين لكن ذلك لم يمنع من قيام هذا الكيان(19) .
فقد كان الرئيس ترومان هو أول رئيس دولة في العالم يغترف بقيام " إسرائيل" (بعد عشر دقائق من إعلانها (20) ومنذ ذلك التاريخ والتأييد الأميركي لــ" إسرائيل" يأخذ شكلا متصاعدا غير أن هذا الالتزام لم يحل دون وجود جهود ومبادرات أميركية للتوصل إلى حل سلمي بين " إسرائيل" وجيرانها وكان هذا مدفوعا بادراك أن مثل هذه التسوية لا تخدم فقط المصالح الأميركية في المنطقة وإنما أمن "إسرائيل" أيضا على المدى البعيد
ثانيا: التغيرات الإقليمية والدولية وأثرها في السياسة الأميركية:
في غضون العقود الثلاثة المنصرمة شهدت منطقة الشرق الأوسط عموما , والوطن العربي على وجه الخصوص تغيرات واسعة شملت الأوضاع السياسية والاقتصادية والعسكرية انعكست آثارها على العلاقات بين دول المنطقة ,وأثرت في علاقاتها مع بقية دول العالم ,وكانت الولايات المتحدة من أكثر الدول التي تأثرت بهذه التغيرات لما يربطها بدول المنطقة من مصالح حيوية.
ومن أبرز التغيرات التي أثرت في اتجاهات السياسة الأميركية ,هي:
1-قيام الجمهورية الإسلامية في إيران سنة 1979 , ونهاية نظام حكم الشاه الذي كان من أقدم النظم المتحالفة مع الغرب .ومع الولايات المتحدة بصفة خاصة.
2-وقوع عدد من الحروب الإقليمية بين دول المنطقة ( الحروب العراقية- الإيرانية, الاجتياح الإسرائيلي للبنان حرب الخليج الثانية) ما دفع أميركا إلى التدخل العسكري المباشر وإتباع سياسة جديدة لحماية مصالحها في الخليج العربي على وجه التحديد.
3-امتلاك بعض"دول الشرق الأوسط" ومن بينها عدد من الدول العربية للأسلحة المتقدمة)(21)
4-انتشار الحركات الإسلامية في غالبية البلاد العربية والإسلامية المجاورة لها , ودعوتها إلي إقامة نظم حكم إسلامية (22).
5-تبدل علاقات الصراع العربي- الإسرائيلي اثر انعقاد مؤتمر السلام في مدريد سنة 1991 ,ودخول جميع الأطراف العربية في مفاوضات مباشرة مع" إسرائيل"
6-اختفاء دور الاتحاد السوفييتي كقوة عظمى منافسة للولايات المتحدة في منطقة " الشرق الأوسط" وذلك بعد تفككه إلي دول مستقلة سنة 1992(24)
لكن رغم هذه التغيرات والتطورات لم تغير في الحقيقة من الأهداف الإستراتيجية للسياسة الأميركية.
رابعا- الاتجاهات الجديدة للسياسة الأميركية:
ومن أبرزها:
1-اتجاه الولايات المتحدة إلي الاحتفاظ بقوة عسكرية كبيرة في منطقة الخليج العربي اثر وقوع حرب الخليج الأولى والثانية في غضون عشر سنوات (25)
2-عملت الولايات المتحدة في السنوات القليلة الماضية على تقوية تحالفها الاستراتيجي مع " إسرائيل" وغضت النظر عن امتلاكها للأسلحة الذرية مايكل تهديدا للأمن والسلم في المنطقة (26).
3-منذ سنة 1991, قامت الولايات المتحدة بانتهاج دبلوماسية نشيطة من أجل إيجاد حلول لقضايا الصراع –الإسرائيلي.لكن هز الجهود بقيت متعثرة وعملية السلام تعاني أزمات عديدة على مختلف مسارات التفاوض العربية الإسرائيلية, وهذا يعود إلى رفض " إسرائيل" تنفيذ قرارات الشرعية الدولية (27).
4-يعد الاتجاه الرابع للسياسة الأميركية نحو الوطن العربي انتكاسة خطيرة لعودتها إلى إتباع سياسة " العصا الغليظة" واستخدام القوة العسكرية وأساليب الحصار الاقتصادي ضد بعض الدول العربية التي لا توافق على سياستها في المنطقة .وتعارض تحيزها إلي " إسرائيل" في صراعها مع العرب(28)
5-أعلن الرئيس الأميركي جورج بوش في مطلع عام 2004 " مبادرة الشركة بين الولايات المتحدة ودول " الشرق الأوسط "...لإقامة مشروع (( الشرق الأوسط الكبير)) وقد أثار " مشروع الشرق الأوسط الكبير " كما هائلا من التساؤلات والتحليلات حول أهدافه وغاياته الحقيقة والنتائج المترتبة عليه من حيث انه يمثل تطويرا لإستراتيجية الولايات الأميركية في الوطن العربي والدول الإسلامية وصولا إلى أندونيسيا والباكستاني وغيرها.
خامسا- الإستراتيجية الأميركية ومبادرة " الشرق الأوسط"
للوهلة الأولى يبدو للمراقب أم أميركا بإعلانها الحرب على مايسمى (( الإرهاب)) مسكونة بأحداث 11أيلول , ولكن الحقائق تفند ذلك لما يمثله هذه الحرب من مخططات واستراتيجيات مرسومة مسبقا وما أحداث سبتمبر إلا ذريعة عجلت من تنفيذ هذه الاستراتيجيات والمخططات.
ويكفي أن نعقد مقارنة بسيطة بين الأهداف الإستراتيجية الأميركية التي وضعت قبل أحداث أيلول وبين مايحدث الآن .ولقد اقترح بول هينز واندرز ويمبش من مؤسسة راند سنة 1992 الأهداف الإستراتيجية التالية:
1-النظر إلى منطقة (( الشرق الأوسط)) من خلال البلدان المحيطة نه. فقد أصبح " الشرق الأوسط الكبير" يمتد من المغرب الأقصى غربا إلى باكستان وأفغانستان شرقا.
2-وضع الطاقة وتوسيع المجال التجاري على رأس قائمة الأهداف الإستراتيجية الأميركية .
3-ايلاء البلدان الكبيرة في المنطقة اهتماما خاصا ( تركيا- إيران- الهند- الباكستاني).
4-مساعدة الدول الناشئة في آسيا الوسطى سياسيا واقتصاديا لتقف على قدميها مع الاهتمام الخاص بالقوتين الصاعدتين في المنطقة ( أوزبكستان وكازاخستان) .
5-الترويج للدمج الاقتصادي للمنطقة الممتدة من البحر الأسود إلى الصين
6-الاعتراف بالدور النفطي لمنطقة القوقاز في القرن الحادي والعشرين.
7-توثيق العلاقات بأرمينيا لاستيعابها ضمن المصالح القومية والأهداف الإستراتيجية الأميركي .
8-الاستمرار في إدارة الصراع العربي –الإسرائيلي على الأهداف الإستراتيجية الأميركية .
9-تشجيع استمرار التعاون بين "إسرائيل" وتركيا.
10-الاستمرار في مطالبة دول المنطقة بالتحول الديمقراطي واحترام حقوق الإنسان
وبغية إعادة تشكيل القوة العسكرية والدور الأميركي في العالم عبر بناء شبكة من القواعد العسكرية الدائمة والمؤقتة في جميع أنحاء العالم وخاصة في الشرق الأوسط وآسيا وأميركا اللاتينية كان على الولايات المتحدة القيام بالخطوات التالية:
1-الانسحاب من الاتفاقيات الحد من التسلح والاستمرار في تطوير أسلحة حرب النجوم.
2-زيادة الميزانية العسكرية .
3-تطوير التكنولوجيا للسيطرة على الفضاء العالمي ومراقبة الاتصالات في كل مجال.
4-استمرار في تطوير وسائل هجومية جديدة.
5-تطوير القدرة على القتال والانتصار في حروب متزامنة .
وقد جاءت أحداث أيلول لتمثل الفرصة المناسبة وما احتلال العراق ودخول ليبيا إلى الحظيرة الأميركية الجزء من هذه الإستراتيجية.

•مشروع ((الشرق الأوسط الكبير))
"بدعة" أميركية لخدمة الإستراتيجية الأميركية – الإسرائيلية الغربية المشتركة في العالمين العربي والإسلامي .
إن مجرد قيام الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن بالإعلان عن الخطوط العريضة لبدعة " الشرق الأوسط الكبير" تلقفها الغرب وبدأ يهلل لها ويحاول ترويجها وتسويقها بما يضمن مصلحة ((اسرائيل)) والإستراتيجية الأميركية – الإسرائيلية الغربية .
العصا من دون الجزرة هي أداة التنفيذ:
بدأت الحملة السياسية الفعلية لمشروع ((الشرق الأوسط الكبير)) مع جولة مارك جرو سمان في الأول من آذار 2004 للمنطقة للدفاع عن هذا المشروع ودعم رغبة الولايات المتحدة في إدخال إصلاحات ديمقراطية واقتصادية في الشرق الأوسط الحالي . وكما متوقع : فان الولايات المتحدة ستبذل أقصى جهودها وتمارس أقصى درجات الضغط على هذه الدول لتجبرها على الالتزام بالمشروع .ولو اقتضى الأمر استعمال العصا دون الجزرة
. مستقبل الجامعة العربية على المحك :
فصل أميركي – إسرائيلي غربي جديد مثلته مبادرة أو مشروع " الشرق الأوسط الكبير" والذي يفترض فرط عقد الجامعة العربية التي تشكل العنوان الأخير للأمة العربية في الإطار المعنوي على الأقل , حتى تمهد الأرضية الصالحة لهذا المشروع وعرف عن زعيم حزب العمل شيمعون بيريز أنه العراب والمروج والمنفذ لهذا المشروع , ومما يلفت النظر أنه ومع البدء الفعلي للترويج لمشروع جورج بوش هذا خارج الولايات المتحدة , بدأت (( إسرائيل)) حملة ((مركزة)) داخل الولايات المتحدة للترويج للانفصال عن الفلسطينيين من جانب واحد . والسؤال : هل جاء هذا التوافق بالمصادفة , أم في أطار مخطط ومدروس خدمة " لمشروع الشرق الأوسط الكبير" الذي ما طرح إلا خدمة لــ" إسرائيل" وضمانا لإستراتيجيتها التي تشكل ضلعا من مثلث الإستراتيجية الأميركية – الإسرائيلية الغربية ؟...
وتتركز الأضواء في هذه الأيام على مشروع (( الشرق الأوسط الكبير)) وتثار الشكوك حوله بكثرة أكبر من الحجم الجغرافي لهذه المنطقة الشاسعة , الواسعة.. الضاربة الجذرية في أعماق التاريخ والحضارة . ويمكن إيجاز منابع الشكوك الأساسية بالنقاط التالية :
1-إن مصطلح " الشرق الأوسط " تعبير استراتيجي جغرافي , استعماري المنشأ , مصطنع , مفروض سياسيا وثقافيا وإعلاميا .. والهدف منه معالجة مصالحا القوى العظمى.
2-بذلت عشرات المحالات لتحديد المنطقة التي يشار إليها بهذا المصطلح استنادا إلى عناصر جغرافية وديمغرافية وثقافية وإيديولوجية , لكنها لم تريق إلى المستوى العلمي والواقعي بسبب تضارب الأهداف والمنطلقات الإيديولوجية وغموض الدلالات , واضطراب الصياغات .
3-رغم وجود الجامعة العربية منذ أكثر من نصف قرن , إلا أن التعامل مع العرب من جانب الغرب كان دائما على أساس " شرق أوسط" هذا النظام الذي يشكل الضد لأية منظومة عربية متكاملة , سواء في المجال السياسي أو الاقتصادي أو الثقافي .
4- بعد انهيار الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية و((حلف وارسو)) اختل التوازن الاستراتيجي في العالم , وتحولت أميركيا إلى القوة المقررة , وأصبحت البلاد العربية أكثر قابلية للابتزاز في الالتزام بالتوجهات الأميركية و(( الإسرائيلية )).
 وقد حددت كلينتون رؤيتها للإستراتيجية الأميركية في المنطقة على أساس الآتية.
أ‌-احتواء مزدوج لكل من إيران والعراق ...
ب‌- الالتزام بالحفاظ على تفوق " إسرائيل " النوعي.
ج – تعزيز تطوير المنطقة (( باتجاه الديمقراطية )) .
 د – تعزيز اتفاقيات السلام العربية – الإسرائيلية.
هـ - ترويج " إسرائيل " للنظام الشرق أوسطي" من خلال مستويين: فكري رسمي.
5-اشتداد ((هجمة المبادرات)) على المنطقة دون أن يكون للعرب والمسلمين دور في صياغتها
6-تجاهله المتعدي لجوهر المشكل ومنبع التفجيرات في المنطقة وهي القضية الفلسطينية
7-عدم استشارة أهل الشرق(( الشرق الأوسط الكبير)) حكاما ومحكومين , ولم يؤخذ بالحسبان تاريخ الشعوب وثقافاتها وتقاليدها وواقعها وتنوعها الحضاري والسياسي والديمغرافي والأ قتصادي , بل نصبوا أنفسهم (( رعاة)) يسوقون الناس با عصي و( الصواريخ أن لزم الأمر) إلى " جنات الديمقراطية" الموعودة(29)

سادسا –مستقبل العلاقات العربية- الأميركية في القرن الحادي والعشرين
يثبت التاريخ أن هذه العلاقات , لم تستقر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية في سنة 1945 , ولم تسر على وتيرة واحدة , فهي تختلف من دولة عربية إلى أخرى , ومن مرحلة تاريخه إلى أخرى , ويمكن أن نحدد عاملين أثنين كان لهما أكبر الأثر في عدم استقرارها وهما :
1-المتغيرات الإقليمية الدولية التي كانت سائدة في ظل مرحلة الحرب الباردة
2-الصراع العربي –الصهيوني(30).
وقد نشأ عن هذين العاملين العديد من العناصر التي أثرت في العلاقات العربية – الأميركية .أبرزها :
1-معارضة الولايات المتحدة لآمال الأمة العربية في الوحدة أو التضامن (31) .
2-محاولات التدخل في شؤون بعض الدول العربية بصورة مباشرة أو غير مباشرة (32) .
3-استخدام مشكلات الأقليات الدينية والقومية لخدمة مصالحها الخاصة في المنطقة .
4- عدم اتخاذ الولايات المتحدة موقفا ايجابيا في مواجهة السياسات ((الاسرائيلية))
ولخروج هذه العلاقات من أزمتها لابد من أن تقوم على:
1-اعتماد لغة الحوار الحضاري بين العرب كأمة واحدة وحضارة عريقة وقوة إقليمية , وأميركا كدولة عظمى لها مسؤولياتها في الحفاظ على الأمن والسلم في العالم
2- اتخاذ الولايات المتحدة موقفا عادلا من قضايا الصراع العربي – الصهيوني .
3- إقامة العلاقات العربية – الأميركية على أساس التوازن والتكافؤ والاحترام المتبادل .
4- تخلي الولايات المتحدة عن سياسة استخدام القوة ضد أي دولة عربية.
5-العمل على وضع إستراتيجية عربية بديلة تقوم على المصالح وليس على ردود الأفعال والعواطف.
6-الإفادة من خبرات الدبلوماسيين السابقين ولاسيما الذين عملوا في الغرب والولايات المتحدة وتشكيل مؤسسات وهيئات فكرية – دبلوماسية وأكاديمية لوضع الأسس والآليات والدراسات لفهم عناصر وتوجهات الإستراتيجية الأميركية ,وكيفية التعامل الفعال معها .



في الإثنين 09 نوفمبر-تشرين الثاني 2009 07:08:48 م

تجد هذا المقال في حزب البعث العربي الإشتراكي-قطراليمن
http://albaath-as-party.org
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://albaath-as-party.org/articles.php?id=60