حوادث قتل بالهوية، ومخاوف من نشوب حرب أهلية.. هل دخل الجنوب مرحلة العنف المسلح؟!
نقلا عن ناس برسشهدت مناطق ومديريات بعض المحافظات الجنوبية حالة من التوتر والغليان خلال اجازة عيد الاضحى المبارك وفي الايام الماضية على خلفية ما جرى لمهرجان ساحة الهاشمي في محافظة عدن الذي دعت اليه قوى ما بات يعرف بـ"الحراك الجنوبي" يوم الاثنين الماضي احتفاء بالذكرى الثانية والأربعين لرحيل الاستعمار البريطاني عن جنوب الوطن.
وهكذا تحولت ذكرى نوفمبر المجيد الى مناسبة أخرى للشحن العنصري ونكء الجراح ومفاقمة الأوضاع، وقد شهدت تلك المناطق تصعيدا غير مسبوق وسط مؤشرات رصدها المراقبون على توجه الاوضاع المتفاقمة نحو التصاعد، محذرين من تحول ما بات يعرف بـ"الحراك الجنوبي" الى اسلوب جديد يعتمد المواجهات المسلحة رسميا في حال لم يتم احتواء الاوضاع المتفجرة بين حين وآخر، بصورة عاجلة.
الاسوأ ما تخللها من حوادث خطف وتقطعات وجرائم قتل على الهوية، وقد طالت ثلاثة مواطنين من ابناء المحافظات الشمالية، وهي العملية التي لاقت استنكارا واسعا بين مختلف الاطراف، وعكست بيانات الاستنكار مخاوف حقيقية من تداعياتها على الوحدة والهوية الوطنية، خصوصا مع تنامي النزعة العنصرية ووقوع حوادث مشابهة خلال الآونة الأخيرة.
وبحسب عدة مصادر، فقد ذهب المواطن محمد ناصر العنسي "22عاما" وهو من مواليد محافظة ذمار وجندي في القوات المسلحة، ضحية لتلك النزعة العنصرية بعدما تقطع له مسلحون ليل السبت – الاحد الماضيين في منطقة الحبيلين، ومن ثم أطلق أحد المسلحين النار عليه، أمام شقيقه، وأردوه قتيلا ليفر القاتل بالسيارة المنهوبة (نوع كرولا 2008م).
 وقد جرت عملية القتل بصورة بشعة كما اشارت الى ذلك المصادر، حيث أجبر المسلحون السائق وأخاه على النزول من السيارة تحت تهديد السلاح ثم أخذوها وتركوهما في الخط العام، واتجه المسلحون بالسيارة إلى الحبيلين، بينما توجه المعتدى عليهما إلى شرطة الحبيلين، ليقدما بلاغا بالحادث.
لكن وأثناء عودتهما من الشرطة، وبينما كانا يمران بالشارع الرئيسي بالحبيلين شاهدا سيارتهما واقفة وعليها المسلحون، فحدث شجار بين الجانبين، فقام أحد المسلحين بقيادة السيارة بسرعة جنونية بينما ظل محمد العنسي ممسكا بباب السيارة محاولا إثنائه عن أخذها، غير أن المسلح أطلق عليه النار، فسقط مضرجا بدمائه في الشارع العام، فيما فر المسلح بالسيارة إلى جهة مجهولة.
وبنفس الطريقة البشعة أو أشد، قتل عباد صالح الجبل "33 عاما" وهو من مديرية الرضمة بمحافظة إب، اذ قالت المصادر ان مسلحين اعترضوا سيارته نوع "دايو" في منطقة الملاح بمحافظة لحج بينما كان عائدا من قضاء اجازة العيد في عدن مع زوجته واطفاله، وبعد ان دارت مشاجرة بين الجانبين، انتهت بمقتله أمام زوجته واطفاله.
وطبقا للمصادر، فقد مرت سيارة أخرى أثناء الحادثة "نوع مونيكا" كان يقودها المواطن مراد علي مثنى من منطقة دمت بمحافظة الضالع، فهدده المسلحون بالقتل اذا لم يسلمهم مفاتيحها، مما اضطره تحت تهديد السلاح إلى تسليمهم اياها، فأخذوها بينما تركوا الجبل مضرجا بدمائه.   
وجاءت الحادثتين بعد ساعات فقط من مقتل الجندي فواز الكمالي، وهو من منطقة شرعب بمحافظة تعز، حيث ذكرت المصادر، بأنه كان من ضمن ركاب سيارة أجرة من عتق إلى عدن بينما اعترضت جماعة مسلحة سيارتهم، وأخرجت الركاب وسألت عن هوياتهم وطبيعة عملهم وحين عرفت أن الكمالي عسكري أخذته وأطلقت عليه النار بدم بارد ثم رمته تحت جسر مرياش في منطقة المحفد.
ورغم الاتهامات الرسمية لقوى الحراك بارتكاب تلك الجرائم البشعة. الا ان قيادي الحراك الدكتور ناصر الخبجي، نفى أعمال التقطع والاختطاف والقتل عن انصاره، متهما ما اسماها ميليشيات الجنجويد، في اشارة الى عناصر هيئات الدفاع عن الوحدة، بالقيام بتلك الاعمال التي وصفها ب"الجبانة"، وبانها محاولات يائسة لالباس الحراك ثوب جرائم قتل الناس بالهوية، حد تعبيره.
وفي أثناء ذلك، خرجت عدد من المسيرات المنددة بجريمتي القتل التي حدثت في الحبيلين والملاح وتستنكر قمع السلطة لفعالية الحراك بعدن وتطالب بإطلاق المعتقلين. كما تكررت المسيرات الغاضبة خلال الايام الماضية والتي لم تسلم من عمليات العنف، وذلك في عدة مناطق ومديريات.
وفي الوقت الذي استنكرت فيه احزاب اللقاء المشترك بمحافظة لحج حادثة الحبيلين والملاح، ووصفتها ب"الجريمة البشعة والمستنكرة" التي تتنافى وقيم وأخلاق شعبنا اليمني، حملت السلطة مسئولية الانفلات الأمني الذي تشهده عدد من مديريات لحج طوال الفترة الماضية.
وووصف الناطق الرسمي باسم لجنة الحوار الوطني محمد الصبري حادثتي الحبيلين والملاح بالجريمة البشعة. وقال لـ" الصحوة نت " ان المسئول عن هذه الجرائم من الناحية الدستورية والقانونية السلطة وأجهزتها الأمنية.
مؤكدا " أنه مالم لم تقم السلطة و أجهزتها الأمنية بواجبها وفق الدستور والقانون فإن ذلك سيضع حولها شكوكا بأنها هي من تحرض على ارتكاب مثل هذه الجرائم البشعة بغية أن يحترب اليمنيون على البطاقة والهوية الجغرافية.
كما اعتبر القتل بسبب الهوية الجغرافية انحرافا إجراميا خطيرا. وقال ان " الذين يمارسونه ليس لديهم أي انتماء وطني أو أخلاقي أو إنساني، وأنهم لا يحملون أي مشروع أو أي فكرة بل هم عبارة عن قطاع طرق وعصابات ومجرمين قتلة."
وذهب القيادي الاشتراكي محمد غالب أحمد الى أبعد من ذلك بتأكيده على ان كل من يقومون بأعمال التقطع والقتل والنهب في الطرقات معروفون تماما لدى السلطة، وأن غالبيتهم إن لم يكونوا كلهم يستلمون رواتبهم وإعاناتهم الشهرية منها، على حسب تعبيره.  
وعلى العكس من ذلك، اتهم رئيس الدائرة الاعلامية في المؤتمر طارق الشامي قوى "الحراك الجنوبي" بتنفيذ أجندة أجنبية لا علاقة لها بأي قضية وطنية. مؤكدا بأن المجال السياسي في اليمن مفتوح لمناقشة كل الأطروحات إلا المطالبة بالانفصال أو إثارة الفوضى. ونفى الشامي أن يكون نموذج "نيفاشا" الذي أخمد الحرب بين جنوب السودان وشماله صالحا لإخماد نار الفتنة في الجنوب، وقال "نحن في اليمن شعب واحد لا توجد به قوميات أو أقليات."
وبدوره، حذر الرئيس السابق على ناصر محمد من نشوب حرب أهلية. وقال في مقال كتبه لمناسبة ذكرى نوفمبر " هذه ليست لغة تشاؤمية، وكنا قد حذرنا قبل ذلك مرارا ولم نجد اذانا صاغية، ولكنه الواقع." واشار الى ان اليمن باتت العنوان الأبرز في القنوات الفضائية ووسائل الإعلام المختلفة سواء لجهة ما يحصل في الجنوب، أو لجهة ما اعتبرها احتقانات مختلفة الأبعاد، فضلا عن الانتهاكات التي يتعرض لها الناشطون السياسيون والصحفيون. 
 
البيض: حضور اعلامي أثار التساؤلات
على الرغم من تعدد اللقاءات الاعلامية للنائب الاسبق علي سالم البيض منذ ظهوره السياسي للمرة الاولى في مايو الماضي بعد احتجابه عن الانظار وعن ممارسة أي نشاط سياسي على مدى أكثر من خمسة عشر عاما. لكن الظهور الاعلامي المكثف له خلال الاسبوع الماضي، أثار التساؤلات، خصوصا لجهة مضمون تصريحاته التي لم يتردد فيها عن التأكيد بأن هناك سلسلة من اللقاءات والاجتماعات التنسيقية للقيادات الجنوبية في الخارج بغرض الانتقال قريبا إلى العصيان المدني الشامل
واشارت بعض المصادر الى ان التصعيد من طرف قوى "الحراك الجنوبي" جاء بناء على ما أقرته قيادات الانفصال خلال اجتماعاتها الأخيرة في الخارج، وتزامنت مع تصريحات البيض الأخيرة والتي كرر فيها دعوته إلى انفصال الجنوب والعودة إلى التشطير.
وعلى خلفية ما حدث يوم الاثنين الماضي في عدن تحديدا، نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن البيض مطالبته بحماية دولية لسكان الجنوب، متهما القوات الامنية باعتقال المئات وإطلاق النار لقمع التظاهرة التي كانت مقررة لعناصر وقوى الحراك. 
وقال البيض "إننا نحذر من العواقب الخطيرة للوضع في الجنوب، فنظام صنعاء يناور في شتى الاتجاهات من اجل افشال الحراك الجنوبي السلمي، وهناك مؤشرات لتفجير الموقف عسكريا وفتح جبهة جديدة في هذه المنطقة. ولهذا ننبه الى مخاطر هذا السلوك المغامر، ونطالب الجامعة العربية والامم المتحدة ومنظمة المؤتمر الاسلامي، بالتحرك بسرعة لتشكيل لجنة لتقصي الحقائق في الجنوب، والعمل على وضع آلية لتأمين الحماية."
وحذر في البيان الذي حمل توقيع "رئيس جهورية اليمن الديموقراطية"، حسب ما اشارت الى ذلك وكالة الصحافة الفرنسية، من مغبة الاستمرار في التعامل مع المتظاهرين العزل، متهما قوات الامن باعتقال اكثر من الفي متظاهر واطلاق النار على المتظاهرين في عدن. 
أما وكالة أنباء رويترز فقد نشرت مقتطفات من حوار أجري معه، وجدد فيه مناشدته الامم المتحدة لعمل استفتاء في الجنوب. واشار الى ان الحل المنطقي اليوم هو العودة الى نظام الدولتين السابقتين.
وقال "نحن بصدد التحضير لمبادرة نتقدم بها الى الامم المتحدة حول الوضع في الجنوب، وقد قطعنا شوطا هاما بالتشاور مع شخصيات قانونية وسياسية عربية واجنبية لاعادة طرح قضية الجنوب."
وطالب الامم المتحدة تشكيل لجنة لتقصي الحقائق والعمل على تحضير استفتاء وان تطرح على الجنوبيين سؤالا واحدا: هل هم مع استمرار الوضع الحالي أم انهم مع تقرير المصير؟. 
مؤكدا بأن عودته وشيكة. وقال "نحن نعمل على تصعيد نضالنا السلمي ليصل الى مرحلة العصيان المدني الشامل." واضاف ان " الجنوبيين قادرون ان يعيدوا بناء الدولة بسرعة كبيرة."
وفي بيان نقله موقع "المصدر أون لاين"، أعرب البيض عن قلقه من ربط الحراك بالقاعدة. وقال "أعلنا منذ انطلاقة الحراك الجنوبي ان لا شيء يجمعنا بتنظيم القاعدة، ونحن مرة أخرى نرفض وندين أساليبه ونهجه في العمل،وقد كان العديد من إخوتنا ضحية لممارسات هذه المجموعات."
مضيفا ان "النظام يسعى من خلال اللجوء الى هذه الوسائل استدرار تأييد ومساندة القوى الإقليمية والدولية التي تخوض مواجهة مع تنظيم القاعدة، وذلك من اجل ان يزجها في معركته مثلما فعل في صعدة." مبديا أمله في "ان يتم الاستفادة من دروس التاريخ."
 الامن يفشل مهرجان يوم الزحف
تحولت مدينة عدن الى ثكنة عسكرية يوم الاثنين الماضي تحسبا للمهرجان الذي دعت اليه قوى "الحراك الجنوبي" في وقت سابق من خلال دعوة الجماهير لما أسمته "يوم الزحف" احتفالا بالذكرى ال42 لاستقلال جنوب الوطن من الاستعمار البريطاني، ولكن على طريقتها الخاصة.      
وبحسب مصادر متعددة فان المحافظة شهدت منذ مساء الأحد قبل الماضي إجراءات امنية مشددة وانتشارا أمنيا غير مسبوق تنفيذا لتوجيهات اللجنة الامنية بالمحافظة، بمنع أي تجمع غير مرخص في كافة أنحاء المدينة، وتفريقه بسرعة وتشتيت المجتمعين فيه من البداية وأينما كان تجمعهم، حسب التعليمات.
كما تحدثت المصادر بأن القوات الأمنية المنتشرة عند مداخل المدينة وضاحية الشيخ عثمان اعتقلت العشرات من عناصر الحراك الذين كانوا متوجهين إلى ساحة الهاشمي للمشاركة في المهرجان، كما نزعت من الشوارع والجدران آلاف الملصقات الدعائية والشعارات المطالبة بالانفصال.
ورغم كثافة الاجراءات الامنية، اشارت مواقع اعلامية محسوبة على الحراك، بأن المئات نظموا مهرجان تحدي إثبات وجود بالقرب من مسجد زايد بحي عبد العزيز وذلك نظرا لعدم تمكنهم من دخول ساحة الهاشمي بسبب كثافة الإجراءات الأمنية.
واوضحت ان عناصر الحراك أوقفوا سيارة مدنية تتبع عناصر من الأمن السياسي على خط كورنيش المنصورة واعتدوا على من فيها وقاموا بتحطيم زجاجها بعد أن كان من في السيارة يقوم بمهام المتابعة والترصد.
وعلى اثر افشال مهرجان عدن، اشارت المصادر ايضا الى ان انصار الحراك نظموا مسيرات احتجاجية أخرى في كل من الضالع والحبيلين ومديرية مرخة في محافظة شبوة. وتكررت المسيرات في الايام التالية في عدة محافظات، حيث تخللها اعمال عنف، ورفعت الشعارات الانفصالية والمنددة بقمع مهرجان عدن، وكذا المطالبة بالافراج عن المعتقلين.    
وسبقت هذه الاحداث عددا من اعمال التوتر والتعبئة الطائفية تخللت ايام اجازة عيد الاضحى المبارك، ما ادى الى تعرض طريق صنعاء- عدن للتقطعات أكثر من مرة، وترك العشرات عالقين على الطريق لتتدخل القوات الامنية وبمساعدة الوجهاء والمشائخ من فتح الطريق.     
وفي عتق بمحافظة شبوة، اوضحت المصادر بأن نحو خمسة اشخاص قتلوا بينهم اثنين من افراد الامن على ذمة مهرجان دعت اليه قوى الحراك قبل يومين من عيد الاضحى. وذكر مصدر أمني مسئول في اللجنة الأمنية لمحافظة شبوة بأن مجاميع مسلحه بالأسلحه الثقيلة والمتوسطة قد حاولوا الدخول عنوة إلى مدينة عتق عاصمة المحافظة.
واوضح المصدر انه جرى الاعتداء على رجال الامن في عدة محاولات اسفرت عن إصابة ستة من أفراد الأمن والجيش تتراوح الإصابات بين الخطيرة والمتوسطة وقتل اثنان من المهاجمين وإصابة اثنين وقتل مواطن وإصابة ثلاثة ممن كانوا متواجدين قرب النقاط الأمنية.
وتساءل المصدر "فأي مهرجان سلمي كان سيقام في ظل هذه الأسلحة؟"
وعلى خلفية اعمال التقطع والاعتداءات التي تشهدها مديريات ردفان الاربع، اصدر عدد من وجهاء واعيان المنطقة ما اسموه "ميثاق شرف" يحرم قطع الطريق او الاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة ونبذ اصحابها، وكذا الوقوف بكل حزم ضد تلك الظواهر المسيئة.
وكانت اللجنة الأمنية في عدن وجهت تحذيرات من إقامة أي فعاليات غير مرخص لها، ولوحت باتخاذ إجراءات رادعة ضد من وصفتهم ب" مثيري الفوضى والشغب وكل من تسول له نفسه المساس بأمن الوطن والسكينة العامة للمجتمع أو الاعتداء على المواطنين وممتلكاتهم، أو القيام بأي تجمعات تهدف إلى إثارة الفوضى."


في الأحد 13 ديسمبر-كانون الأول 2009 05:48:11 م

تجد هذا المقال في حزب البعث العربي الإشتراكي-قطراليمن
http://albaath-as-party.org
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://albaath-as-party.org/articles.php?id=74