ما وراء الأحداث .. هل من آفاق لإحياء عملية السلام أمام ممارسات إسرائيل العدوانية؟
الرفيق/خالد السبئي
الرفيق/خالد السبئي
منذ انعقاد مؤتمر مدريد للسلام في بداية التسعينات من القرن المنصرم، تصارعت قوتان وإرادتان، واحدة مثلها العرب بإرادة حقيقية نحو السلام وفق قرارات الشرعية الدولية ومبدأ الأرض مقابل السلام وضمانات الرعاية الدولية (الولايات المتحدة ـ روسيا)، في مقابل إرادة مثلتها إسرائيل بأنها تريد السلام شكلياً، لكنها عملت واقعياً على وضع العقبات تلو العقبات أمام مسيرة السلام. وعلى الرغم من كل ذلك لم تستطع إسرائيل أن تخرق الصف العربي الذي توحد على جميع المسارات (السوري - الفلسطيني - اللبناني - الأردني) في مسار واحد، وكانت المفاوضات في بدايتها متوحدة في مواجهة أي تنضل أو تهرب أو مراوغة إسرائيلية حول أسس السلام (التراجع عن الاحتلال - إعادة الأرض كاملة - إعادة الحقوق)، إلا أن الأمر لم يطل، فقد أصيب هذا المسار العربي الموحد بالانقسام، بعد التوقيع على اتفاق أوسلو بالنسبة للمسار الفلسطيني، وجاء بعده اتفاق وادي عربة بالنسبة للمسار الأردني، وبقي المساران السوري واللبناني موحدين، حتى انهارت مفاوضات السلام نهائياً على هذين المسارين. وعلى الرغم من توقيع اتفاق أوسلو، وجولة طويلة من المفاوضات استمرت 18 سنة لم يتحقق السلام على المسار الفلسطيني، فكان النكوص وسحب من طاولة المفاوضات مبدأ الأرض مقابل السلام، كما سحبت القرارات الدولية ومنع الاستيطان، وما وصلت إليه المفاوضات لم تبق على شيء اسمه السلام، وهو أكده أخيراً الرئيس الفلسطيني محمود عباس (مهندس هذا الاتفاق) بأن المفاوضات وصلت إلى طريق مسدودة. وكل هذه الاتفاقات لم تصنع السلام وإنما صنعت وهم السلام بدءاً من كامب ديفيد وانتهاء بأوسلو. الذي فشل هو الارتهان للمفاوضات فقط كطريق لتحرير الأرض وعودة الحقوق الفلسطينية، حيث فقد المفاوض الفلسطيني أية ورقة أخرى يستطيع من خلالها الضغط على إسرائيل كي تلتزم بمتطلبات السلام، وخصوصاً المقاومة المشروعة.. إن الاحتلال الإسرائيلي لن يرحل بمفاوضات غير متكافئة، وفي ظل مفاوض فلسطيني يتراجع خطوة إثر خطوة، مما قزم الحق الفلسطيني ، وأحدث هوةً بين موقف الشعب الفلسطيني الرافض لاتفاقات مهينة والمتمسك بثوابته في إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة المستقلة وعودة اللاجئين، وبين سلطة نشأت استناداً لاتفاق أوسلو وسارت في طريق المفاوضات بعيداً عن المقاومة مما أوصل الوضع الفلسطيني إلى مأزق يهدد بتصفية الحقوق الفلسطينية. فهل كانت السلطة الفلسطينية بحاجة لـ 18 سنة، لتقتنع بأنه لا أمل ولا مستقبل للمفاوضات مع إسرائيل.. إن اتفاق أوسلو الذي نعته السلطة الفلسطينية قبل أيام كانت سورية قد أعلنت موقفها تجاهه صراحة حين أشار القائد الخالد حافظ الأسد إلى (أن كل بند فيه يحتاج إلى اتفاق). لم يأت الاتفاق نتيجة تنسيق عربي بل جاء نتيجة عمل فلسطيني منفرد من قبل أشخاص معدودين في السلطة الفلسطينية مع الإسرائيليين بشكل سري، وإن الوفد الفلسطيني المفاوض آنذاك (في العام 1993)، واللجنة التنفيذية للمنظمة ومؤسساتها الأخرى لم تكن على علم بذلك. وإن هذا الاتفاق وتطبيقه سيؤدي إلى حرب أهلية بين الفلسطينيين، ولا يستبعد أن ينجم عنها هجرة فلسطينية جديدة، ويهدف إلى تصفية أعمال المقاومة الفلسطينية للاحتلال وإشغال الفلسطينيين بالاقتتال فيما بينهم، بين من هو مع الاتفاق ومن هو ضده، وهذا ما بدت ملامحه فعلاً لاحقاً خلال حالة الانقسام التي عاشتها وتعيشها الأراضي الفلسطينية في الضفة والقطاع من خلال النزاعات الفلسطينية بين فتح وحماس التي انتهى بعضها إلى وقوع عدد من القتلى والجرحى وهذا بالمحصلة هو هدف إسرائيلي. كان الاتفاق آنذاك مفاجئاً للأطراف العربية المشتركة في العملية السلمية لأنه لم يتم بعلمها أو بالتنسيق معها، ولكن لا ينفي أن تكون هناك بعض الدول العربية والولايات المتحدة الأمريكية على علم بالاتصالات، وهذا ما تؤكده الوقائع اليومية، والمتسارعة إلى تأييد الاتفاق ودعمه. لقد انطلقت سورية في تقويمها لهذا الاتفاق وغيره من الثوابت المبدئية التي انطلقت منها منذ بداية العملية السلمية ومن مصالحها التي تجسد حالياً مصالح الأمة العربية، وتتخذ المواقف التي تنسجم مع مبادئها ومصالحها، وهي متمسكة بالحل العادل والشامل ولن تتنازل عن أي شبر من أرضها ولن تفرط بالحقوق العربية. إن اتفاق أوسلو وملحقاته، التي مكنت الحكومات الصهيونية المتعاقبة من نهب المزيد من الأراضي والمياه، والسير بعيداً بتهويد القدس، وخلق حقائق على الأرض تشكل عوائق لأية إمكانية واقعية لتحقيق سلام مع عدو يتجاهل أبسط حقوق الإنسان الفلسطيني، ويتنكر لحقوقه الوطنية المشروعة في العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة المستقلة، ويرهن المستقبل الفلسطيني بمدى استجابة الطرف الفلسطيني لإملاءات إسرائيل وشروطها المذلة ، ويربطها بمدى قدرة هذا الطرف على تلبية هذه الشروط المجحفة والمرتبطة بشروط ما يسمى باللجنة الرباعية والتي تضيف أبعاداً وتعقيدات أخرى لما يسمى زوراً وبهتاناً بالعملية السياسية في الساحة الفلسطينية والتي كان من محصلتها نتيجة لاستسهال تمرير خديعة التنازل كحد أدنى عن قرارات الشرعية الدولية خاصة بالقضية الفلسطينية واستبدالها بما يسمى بخارطة الطريق، أو اتفاق أنابوليس لتصبح العملية السياسية برمتها في مهب الريح. إن السلام الذي تعمل سورية من أجله هو السلام العادل والشامل الذي يستند إلى الشرعية الدولية وتنفيذ قراراتها ذات الصلة والتي يتم بموجبها عودة الأرض والحقوق إلى أصحابها الشرعيين وإنها لا تزال راغبة في المفاوضات على هذا الأساس على الرغم من الخروقات التي سببها الاتفاق الفلسطيني - الإسرائيلي والذي لم يأت ملبياً لطموحات الفلسطينيين. إن سورية لن تحيد عن ثوابتها ، ولن تفرط بحقوقها، ولن تتنازل عن أي شبر من أراضيها تحت أي مسوغ، ولن تنجر إلى أي طريق لا يخدم مصالحها ومصالح الأمة العربية، وإنها لن تكون غطاء للآخرين عندما يبتعدون عن الثوابت الوطنية والقومية، وإنها لا تحتاج إلى من يفتح الطريق أمامها لتتخذ هذا الموقف أو ذاك، وإنها تتخذ مواقفها في كل الظروف بجرأة وشجاعة وبما يخدم ثوابتها المبدئية ومصالحها الوطنية. سورية المتمسكة بثوابتها الوطنية والقومية في مقدمتها تحرير كامل أرضها المحتلة وإعادة جميع الحقوق المغتصبة إلى أصحابها الشرعيين وفي المقدمة منها استعادة الحقوق المشروعة للشعب العربي الفلسطيني، أكدت أن المقاومة خيارها للوصول إلى السلام وخاصة في ظل غياب شريك إسرائيلي يؤمن بالسلام، ووجود حكومة متطرفة تستبيح الأرض والشعب وتتمادى في ممارساتها العدوانية مستهترة بكل القيم والأعراف الدولية، مدَّعيةً أنها تطلب السلام وأن العرب هم من يرفضون السلام. وهذا أسلوب صهيوني قديم جديد اعتمده \"نتنياهو\" عبر التسويق لدعوة سورية إلى مفاوضات سلام مباشرة، ودون شروط مسبقة، هذه ليست دعوة من أجل السلام، وإنما للتضليل وامتصاص التوجه العالمي للسلام، والتغطية على جرائم الكيان الصهيوني وإرهابه، وللخروج من المأزق الناجم عن النتائج المترتبة لتقرير القاضي غولدستون، وتصوير دمشق بأنها الرافضة للسلام. لقد دحض السيد الرئيس بشار الأسد الدعوة أثناء زيارته إلى باريس مؤخراً مؤكداً بأن هناك أُسساً لعملية السلام ومرجعيات هي قرار مجلس الأمن /242/ و /338/ ومؤتمر مدريد للسلام عام /1991/، ومبدأ الأرض مقابل السلام، وهناك رعاية دولية للمفاوضات كالوسيط التركي الذي تتمسك به سورية، وهذه حقوق وأسس وليست شروطاً، فلعبة المفاوضات من أجل المفاوضات لا تمرُّ على سورية المستندة إلى نهج المقاومة العربية بديلاً موضوعياً إن لم تعد الحقوق بالمفاوضات،وقد عبر عن ذلك الرفيق المناضل السيد الرئيس بشار الأسد الأمين القطري لحزب البعث العربي الاشتراكي في القطر السوري رئيس الجمهورية العربي السورية الشقيقة مؤخراً بقوله \"إن مقاومة الاحتلال واجب وطني ودعمها من قبلنا واجب أخلاقي وشرعي، ومساندتها شرف نفخر به، وهذا لا ينفي أبداً رغبتنا الثابتة بتحقيق السلام العادل والشامل على أساس عودة الأراضي المحتلة وفي مقدمتها الجولان السوري المحتل\". لقد طالبت الأغلبية الساحقة من الدول الأعضاء في الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 20/11/2009 الماضي \"إسرائيل\" بالامتثال للقرارات المتعلقة بالجولان المحتل لا سيما قرار مجلس الأمن رقم /497/ الذي يعتبر قرار \"إسرائيل\" بفرض قوانينها وولايتها وإدارتها على الجولان السوري لاغياً وباطلاً وليس له أي أثر قانوني ودولي. وقد صوتت لصالح القرار /165/ دولة بينما عارضته \"إسرائيل\" معزولة، وامتنعت الولايات المتحدة عن التصويت وبعض الدول الجزرية الصغيرة. فالجولان قضية مقدسة بالنسبة إلى سورية وسيبقى الالتزام بتحريره وعودته كاملاً إلى السيادة الوطنية التزاماً مبدئياً لاعودة منه، وكل الخيارات مفتوحة وفق الشرائع الدولية والإنسانية التي تكفل حق الشعوب في استعادة أراضيها المحتلة والذود عن حماها بكل الوسائل المتاحة. الشيء الثابت أن جكومة \"نتنياهو\" العنصرية لاتريد السلام، وقد استبعدته من جدول أعمالها ووضعت مكانه مشروعات الاستيطان والتهويد والتنكيل بالفلسطينيين، ونسفت جميع جهود المطالبات الدولية بوقف الاستيطان حتى أن إدارة الرئيس أوباما تراجعت عن الكثير من وعودها. وفي الوقت الذي يتواصل فيه مسلسل تهويد القدس وتهجير أبنائها وتتزايد الاستفزازات على المسجد الأقصى بما يهدد وجوده بفعل أعمال الحفر التي لا تتوقف في مدينة القدس وتحت المسجد الأقصى.. ويزداد الإرهاب الصهيوني شراسة ضد الشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع، ويستمر حصار قطاع غزة الممنوعة عن أسباب الحياة وإغلاق قوات الاحتلال جميع المعابر المؤدية إليه واستمرار عدوانها على أبناء القطاع واستهداف الأبرياء وتدمير بيوتهم ومزارعهم ومصانعهم وتحويل حياتهم إلى جحيم. في هذا الوقت تبدو المصالحة الوطنية الفلسطينية ضرورة وطنية ملحة والتسامي عن كل الخلافات، والتركيز على التمسك بالثوابت والحقوق وتحرير الأرض المحتلة وعدم التنازل أو الاستسلام أو التفريط بأي شبر من الأرض أو حق من الحقوق، وأخذ العبر من تطورات المفاوضات السابقة مع الطرف الإسرائيلي الذي لا يبدو جاهزاً للسلام، ولا يشكل شريكاً حقيقياً للسلام. ولا يفاجئنا على الإطلاق، أن تتراجع الإدارة الأمريكية عن موقفها الذي عده البعض (شجاعاً) بالضغط على حكومة الكيان الصهيوني من أجل وقف الاستيطان، فالعلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة هي علاقة عضوية، ولا يهم من هو التابع ومن هو المتبوع.. إلا أن المهم هو وحدة الصف الفلسطيني والتمسك بحقوق الشعب الفلسطيني وعوامل صموده وهي المقاومة المشروعة للاحتلال والعدوان الصهيوني.
في الإثنين 21 ديسمبر-كانون الأول 2009 07:18:29 م

تجد هذا المقال في حزب البعث العربي الإشتراكي-قطراليمن
http://albaath-as-party.org
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://albaath-as-party.org/articles.php?id=76