العرب وأوروبا.. الواقع وآفاق التطوير
الرفيق/خالد السبئي
الرفيق/خالد السبئي
الثقافة كلمة غائمة المفهوم واسعة التعريف أثارت الكثير من التساؤلات، وتعددت تعريفاتها، فالمعجم الوسيط يعرّفها بأنها "العلوم والمعارف التي يطلب فيها الحذق"، أما في اللغة الإنكليزية فـ كلمة culture تترجم إلى العربية على أنها "الثقافة والتهذيب وقد يعطونها أحياناً معنى الحضارة، والملاحظ أنّ معناها في الإنكليزية لا يخرج عن معناها في العربية لكنه يربط مفهوم الثقافة بالدين والعبادة على اعتبار أنّ الدين كان منبعاً رئيساً للثقافة قديماً".
ويستخدم مصطلح (الثقافة) باللغة العربية للإشارة إلى "نتاج إرث المجتمع من المعتقدات والعادات والتقاليد والأفكار والقيم والمبادئ والمثل وحتى الأفكار الخرافية والفنون المختلفة التي تميّز مجتمعاً عن آخر"، ويشمل مفهوم الثقافة كذلك "السلوكيات والقيم المادية التي تشكّل طريقة شعب ما في الحياة" كما يشمل مفهوم الثقافة "المعارف" وتعرّف (اليونسكو) الثقافة بأنها "مجموع الخصائص الروحية والمادية والمعرفية والعاطفية التي تميّز مجتمعاً أو جماعة" وتشمل هذه الخصائص "الأدب والفن وطرق العيش والتعايش وأنماط الحياة وأنظمة القيم والعادات والموروثات والمعتقد". فنحن إذاً أمام أفق واسع من أنماط ومجالات العلاقات الثقافية بين الأمم عامة فكيف إذا كان بينها أمتان تجمعهما الجغرافيا والتاريخ ويتشاطآن سواحل وضفاف، فالعلاقات الثقافية بين العرب وأوروبا ليست وليدة اللحظة ولا ناتجة عن ظروف دولية أو مصالح تجارية أو غيرها فقط، كما يعتقد البعض، بل هي ربما أقرب إلى الحتمية من التاريخية وصلات التفاعل الإنساني التي أتاحتها علاقات جوار موغلة في القدم بحكم تقاسم أوروبا والعرب في الحياة المشتركة الهواجس والتحديات والمصير إضافة إلى عهود طويلة من التفاعل الحضاري بأشكاله كافة.
فالثقافة العربية هي وريثة بلاد ما بين النهرين ومصر القديمة والفينيقيين والقرطاجنيين والحضارات الإغريقية والهيلنستية والرومانية، وهذه الثقافة ذاتها هي التي عرفت بعد أن امتلكت التراث العلمي الإغريقي كيف تأخذ من مدرسة العقلانية الناشئة وتطورها وتعطي نتاجها للإنسانية جمعاء وإلى أوروبا التي تشاطرها ضفة المتوسط، وقد شهد بذلك مفكرون وفلاسفة غربيون قالوا "إنّ أوروبا مدينة للعرب بأشعة النور الأولى التي أضاءت ظلمات لفّتها لمدة تفوق الاثني عشر قرناً".
وأثّرت الثقافة العربية بنظيريتها الأوروبية على مدى قرون، من خلال العلماء العرب الذين برعوا في جميع مجالات المعرفة من الفلك والرياضيات والكيمياء والطب والفلسفة والجغرافيا وغيرها من العلوم.. وهناك أعلام كبار كان لهم بصمتهم على الثقافة الأوروبية من جابر ابن حيان إلى الخوارزمي والرازي الذي أسّس أول مشفى في بغداد والفلكي والمؤرخ والرياضي البيروني وابن سينا الفيلسوف الطبيب وابن الهيثم أكبر علماء الفيزياء في كلّ العصور والذي صاغ قوانين البصريات قبل (روجي بايكون) كما صاغ قانون العطالة الذي أصبح أول قوانين الحركة عند نيوتن، ويؤكّد سارتون في مؤلفه الكبير (تاريخ العلوم) أنّ العلماء الأوروبيين لم يظهروا إلا في القرن الثاني عشر، لكنهم حصلوا على اهتمام أكبر ووصل صيتهم إلى كلّ الأصقاع، فابن بطوطة لا يقل شأناً عن ماركوبولو، وابن خلدون هو الذي أسّس علم الاجتماع يوم لم يكن على ضفتي المتوسط سوى مدوّني أخبار.
وتدين أوروبا للعرب بكثير من الفتوحات العلمية والمعرفية، وتدرك أنّ العرب كانوا سبّاقين في إرساء أسس حضارية وعلمية وإنسانية.
واستمر الانفتاح العربي على الجارة القريبة البعيدة في ذات الوقت وظهر ذلك جلياً خاصة في أدب الرحلات، فقد قدّم ابن فضلان في رحلته إلى بلدان البلغار وصفاً دقيقاً وموضوعياً للشعوب التي لقيها في طريقه حتى بلاد "الفايكنغ"، وكان حريصاً على إظهار تقاليد ومعتقدات تلك الشعوب ذهنية وتفكيراً وسلوكاً، ويشير الشاعر التونسي الطاهر البكري وهو أستاذ محاضر في جامعة باريس العاشرة إلى أنّ أوروبا كانت في قلب اهتمامات مؤلفات النهضة العربية خلال القرن التاسع عشر ومنها الطهطاوي في كتابه (تخليص باريز) حيث يظهر فيه إعجابه بحداثة أوروبا، ويدعو العرب إلى استلهامها، ويشير إلى أنّ الحداثة العربية استفادت من ذلك، وأدخلت أشكالاً فنية وأدبية جديدة كالأوبرا والمسرح والرسم والنحت والتصوير والقصة والرواية، وتحدّى الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي التراث الأدبي العربي واستلهم في موضوعاته الأساطير الأوروبية الإغريقية اللاتينية، كما استلهم أفكاراً أوروبية مثل الرومنطيقية دون أن يمنعه ذلك من مهاجمة أوروبا المستعمرة المهيمنة المتجبّرة لأن قيم الحرية التي تحرّكه هي قيم إنسانية كونية.
ويذكر البكري أهمية الفكر الأوروبي من "صوفوكل" وحتى "ديكارت" بالنسبة لعميد الأدب العربي (طه حسين) والذي جعل من ذلك الراسخ الانتماء إلى الثقافة العربية والإسلامية من أبرز دعاة الثقافة الغربية في نزوعها الإنساني. ويشير الطاهر البكري أيضاً إلى مؤلفين وكتّاب أوروبيين تأثروا بالشرق وامتلأت مؤلفاتهم بنماذج منه مثل: (بيارلوتي) الذي ولع بحب الشرق (شرق الحب المتعدد الألوان) الذي سكن غروره وطلب الإفلات من ضيق العصر الأوروبي المريض جرّاء رتابة الحياة فيه حيث (السماء راضية ثقيلة لغطاء القدر) كما كان يقول بودلير، كذلك يمكن الإشارة هنا إلى نارفال في كتابه (رحلة إلى الشرق) وشاتوبريان في قصته (ابن السراج) ويشير إلى أنّ هناك مفكّرين أوروبيين أحرار يدافعون عن القيم الإنسانية، كما كان سارتر يدافع عن إنهاء الاستعمار في الجزائر، ومثلما كان (جان جينيه) شاهداً على مذبحة صبرا وشاتيلا وهم يساهمون في توضيح العلاقات، ويمكن اعتبارهم منارات في هذا الحوار الذي يعتبر أحياناً صعباً وتصادره وسائل الإعلام أو سوء تفاهم يحمل آثار جروح تاريخية لم تندمل بعد.
وعلى صعيد النقد الأدبي العربي الحديث يرى د. فيصل دراج الناقد والمفكّر الفلسطيني الذي درس الفلسفة في أوروبا أنّ هذا النقد بدا متأثراً جداً بالاتجاهات النقدية الأوروبية بدليل أنّ الفلسطيني (روحي الخالدي) حين وضع كتابه (علم الأدب بين هوغو والعرب) بدأ مباشرة بالإفصاح عن ثقافته الفرنسية، ولاحقاً ميخائيل في كتابه (الغربال) كان متأثراً بالثقافتين الأمريكية والروسية، وأقام طه حسين منهجه على فلسفة ديكارت وصولاً إلى ماركسية طه حسين ووصولاً إلى ماركسية لويس عوض ومحمد مندور وغيرهما، فالتفاعل مع الثقافة الأوروبية كان خصيباً، ومخصباً، وكان تأثر النقد العربي بالثقافة الأوروبية إيجابياً، وأصبح هذا النقد عبئاً من أوائل سبعينيات القرن الماضي حيث تحوّل التعلّم من الغرب إلى محاكاة صماء تأخذ بقشور المناهج الأوروبية دون أن تنفذ إلى العلوم الاجتماعية ودون أن يكون هؤلاء النّقاد (المتأوربون) على معرفة حقيقية باللغة الشعرية والنصوص العربية، ويضيف دراج: طبعاً كانت هناك تطبيقات إيجابية بارعة لنقاد مثل: جابر عصفور وكمال أبو ديب لكن عبر الكلمات المعقدة الصعبة التي لا يدرك القارئ معناها، وهؤلاء النقّاد لم يكونوا يدركون معناها الحقيقي، في حين في الاتجاه الآخر يعتبر النقد العربي القديم لا يفيد في مقاربة العالم الروائي ولا يمت بصلة له من قريب أو بعيد، وما هو قائم نوع من امتدادات النقد القائم على مدارس فلسفية تنتج من اتجاهات فلسفية وتحليل نفسي يستفيد من فرويد، وعلم لغة يستفيد من كتب علم اللغة ويطبقها، فهي نظريات جاهزة نستوردها بشكل ميكانيكي دون الرجوع إلى جذور هذه النظريات والاستفادة منها.
وتأثرت الثقافة العربية بنظيريتها الأوروبية فأخذت من موليير وشكسبير واستمر التفاعل الثقافي رغم وجود الصراع الاستعماري أحياناً، لكن الثقافة كانت دائماً تمدّ الجسور وتداوي الجراح وكثيراً ما مارست الثقافة وتمارس أنواعاً من كسر الجليد والتأسيس للقاءات أكثر انفتاحاً وتقارباً لوجهات النظر.
ورغم أنّ فترة الاستعمار الأجنبي للوطن العربي خيّمت على العلاقات الثقافية العربية - الأوروبية وتركت آثاراً سلبية وانطباعات سيئة في أذهان العرب، إلا أنها بعد تحرّر الدول العربية وحصولها على استقلالها عادت لتبدأ بوادر جديدة من الحوار والتفاعل، ففي منتصف السبعينيات شهدت العلاقات العربية - الأوروبية تحسّناً على أكثر من صعيد سياسياً وثقافياً واقتصادياً. وكانت الدول الأوروبية التي تجمّعت تحت مظلة واحدة تقف بشكل أكثر عدالة إلى جانب القضايا العربية فطالبت "إسرائيل" بالانسحاب من الأراضي العربية التي احتلتها عام 1967، ورفضت على مدى عقود سياسة الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي العربية المحتلة، وأيدت الدعوة لعقد مؤتمر دولي للسلام، ورفضت سياسات "إسرائيل" لتهويد القدس، واعترفت بمنظّمة التحرير الفلسطيني على أنها الممثّل الشرعي للشعب الفلسطيني، كما دعمت السلطة الوطنية الفلسطينية ومؤسساتها بعد اتفاق أوسلو.
واستمر التواصل الإنساني والثقافي في المزيد من مدّ الجسور والتقارب بين الشعوب العربية والأوروبية خلال العقود الماضية وهذا التواصل لم يقتصر فقط على حوار الأفكار والالتقاء بالهموم والهواجس، وإنما تعدّى ذلك إلى نماذج إنسانية من خلال هجرة عدد من الشبان العرب من ذوي الاختصاصات العلمية والمهنية العالية إلى الدول الأوروبية طلباً للعلم وبحثاً عن مستوى معيشي أفضل، وهناك بنوا إسهامات كبيرة في نهضة أوروبا الحديثة وانصهروا في مجتمعاتهم الجديدة ليكونوا نموذجاً فريداً للانسجام بين الشرق والغرب الأوروبي، وعلى أيديهم بدأت تتغير الصورة النمطية وأخذت العلاقات الثقافية العربية - الأوروبية أشكالاً أكثر نضجاً وعمقاً في بحث للتواصل مستمر، وتطورت العلاقات الثقافية وكانت هناك ندوات فكرية عدّة عملت على تطوير الرؤى والأفكار بين النخب الفكرية وصنّاع القرار في أوروبا والعالم العربي وربما تأتي ندوة جامعة فينس عام 1977 نقطة تحوّل في الحوار الثقافي العربي الأوروبي تبعتها ندوات عديدة لعل من أبرزها ندوة هامبرج عام 1983 وصولاً إلى إنشاء معهد العالم العربي في باريس الذي أصبح معلماً حضارياً وفكرياً يشهد على عمق التواصل والتفاهم الثقافي العربي ـ الأوروبي من حيث الاستقطاب والآفاق المشتركة على صيغ جديدة للتفاعل، هذه اللقاءات دعمتها مؤسسات عديدة نشأت بين الحضارتين وساهمت بتطوير العلاقات والمضي بها خطوات إلى الأمام عبر مبادرات عدّة منها أيام الحوار العربي ـ الأوروبي التي احتضنتها إشبيلية حاضرة الأندلس، التي لا تزال تزخر بما خلف العرب من آثار معمارية رائعة ونظّم اللقاء مؤسسة" الثقافات الثلاث" وهي مؤسسة تأسست في إشبيلية عام 1999 كمؤسسة مغربية إسبانية ثقافية تعنى بالتعاون الأندلسي المغربي لكنها سرعان ما تطورت بسرعة لتعنى بالتبادل والتعاون والحوار الثقافي بين ضفتي المتوسط، وكان لاختيار إشبيلية للجولة الثانية من الحوار بعد باريس مدلول كبير يذكّر بما كان للحضارة العربية من إسهامات مهمة وتأثير متبادل على الحضارة الأوروبية، ومن بين الجمعيات المشتركة التي تعمل على تطوير العلاقات الثقافية نذكر مثلاً "الجمعية الفرنسية العربية للتكوين والتربية" وهي تعمل من أجل التعاون بين أوروبا والعالم العربي بهدف تكثيف الحوار الخصب والمثمر بين الحضارات والثقافات، وقد أنجزت الجمعية منذ نشأتها عام 1996 بعض الأنشطة الهامة فكانت صاحبة المبادرة في عقد ندوتين الأولى حول موضوع "التعليم المتعدد اللغات والمبادلات الأوروبية" في مقر اليونسكو بباريس، والندوة الثانية عقدت بقصر أوروبا في ستراسبورغ حول موضوع التربية المتعددة الأوروبية- العربية والتنمية في القرن الحادي والعشرين، وشهدت حضوراً أوروبياً رفيعا ودعما من شخصيات سياسية مرموقة. وبالنظر إلى هذه المؤشرات وإلى العلاقات التاريخية.. لمراجع: من أصدرت هيئة الأبحاث القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي " 2009م.

في السبت 30 يناير-كانون الثاني 2010 05:53:26 م

تجد هذا المقال في حزب البعث العربي الإشتراكي-قطراليمن
http://albaath-as-party.org
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://albaath-as-party.org/articles.php?id=93