التاريخ : الثلاثاء 19 أكتوبر-تشرين الأول 2021 : 04:41 مساءً
طباعة المقال طباعة المقال
RSS Feed ثقافة و فنون
RSS Feed أ.د. عبد النبي اصطيف
RSS Feed ما هي خدمة RSS 
بحث

  
جناية الشابكة على الكتابات العربية الحديثة
بقلم/ أ.د. عبد النبي اصطيف
نشر منذ: 11 سنة و 5 أشهر و 21 يوماً
الثلاثاء 27 إبريل-نيسان 2010 06:31 م

"النص المنضد المنسّق المطبوع الذي يُخادع كاتبه ويوحي له بأنه قارب الكمال وأنه جاهز للنشر، هو أكبر ما جناه الحاسب على الكتابات العربية الحديثة"، جملة أجمل فيها صاحبي، وهو يحاورني، ما أخذه على هذه النعمة التقانية التي رآها نقمة على العربية وأهلها. لذا كان علي أن أجيبه مستدركاً ما فاته وأقول: الحاسب نعمة حوّلها بعضنا إلى نقمة على لغتنا لأنه اعتمد عليه اعتماداً كلياً، مكتفياً بأقل الجهود في كتابة نصّه وإعداده للنشر، ولو أن هذا البعض يراجع ما ينضده وينسّقه على الحاسب ويعمل فيه ما ينبغي من الحذف والإضافة والتصحيح والتنقيح والصقل وغير ذلك من العمليات التي يعرفها أصحاب صناعة الكتابة، ولا سيما المحكّكون منهم، لأفاد من هذه النعمة في الارتقاء بالعربية إلى ما يضارع عصرها الذهبي في العصر العباسي الأول.
والحق أن صاحبي لم يمارِِ في هذا وأقرّني عليه بسبب ما ظلّ يساوره من قلق على التأثير السلبي للشابكة في الكتابات العربية المعاصرة، وهكذا عاد إلى حديث الشابكة يسألني عن رأيي فيها فأجبته: إنها نعمة أخرى يسّرتها لنا ثورة الاتصالات والتقانة، لأنها أتاحت لنا فيضاً من المعلومات المتصلة باهتماماتنا بأخصر زمن ممكن من الناحية العملية، وكم نحن بحاجة إلى الزمن في هذا العصر، الذي لم يُتحفنا بعدُ بمصارف تقرض زبائنها الوقت: من السنة إلى الساعة بل الدقيقة، حتى نستطيع تدبّر ما يطلب منا في وقتنا المحدود بأربع وعشرين ساعة في اليوم.
قال: لا نملك غير الدعاء في أن يبارك اللّه في أوقاتنا ويجعلها مُفْعَمة بالعمل الجاد والمخلص، فما زال قياد الزمن، وسيبقى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، بيده وحده. وأضاف: أنا أقرّك على ما ذكرت، ولكن الشابكة لا تُقَدم إلا مفاتيح المعرفة وخلاصات مبتسرة عنها وقوائم بالكتب والأبحاث والمقالات، وتشير إلى مصادرها، التي تبقى الكتب من أهمها، وقد انصرفنا عنها تماماً إلا من رحم ربك منا، وظننا أن ما تقدمه الشابكة يغني عن هذا المصدر الأول في إنتاج المعرفة. بل إن كثيرين من المسؤولين عن الشؤون الثقافية والتربوية وشؤون البحث العلمي في وطننا العربي، يسعون إلى إقناعنا بذلك حتى يصرفونا عن تقصير أجهزة الدولة والمؤسسات التربوية والجامعية العربية في تأمين مُتطلَّبات البحث العلمي الذي ترقى الأمم به، لأنه يُدخلها في دائرة إنتاج المعرفة التي يحتاجها مجتمعها، بدل الاكتفاء باستهلاك حصيلة المعرفة التي ينتجها الآخرون، وذلك بعد استجدائها بالمال وغيره مما لا سبيل إلى الحديث عنه، لأن هذا الحديث مثير للشجون.
قلت: أرى أن شجونك تصرفك عما نتحاور حوله.
قال: "المعذرة"، واستأنف حديثه قائلاً: الشابكة يمكن أن توفر الوقت والجهد، ولكنها توسّع دائرة البحث، حتى أنه ليصعب على الباحث الإحاطة بكل ما ينبغي له أن يعرفه عن موضوعه، وهو ما لا نطيقه - فيما يبدو - ولذلك ترانا نكتفي بما تُيسِّره لنا من معلومات نرى فيها آخر مستجدات العلم والمعرفة، بدل أن نعود إلى الكتب التي تحيلنا عليها وننهل منها، بعد تأمينها للباحث العربي في المكتبات الجامعية والعامة، ومكتبات مراكز البحث العلمي.
قلت: هذا صحيح، ولكن الباحثين مقصرون بدورهم، لأن عليهم ألّا يَمَلّوا من الطلب والإلحاح في الطلب، بل الإسراف فيه إلى أن يستجيب أولو الأمر، ويؤمّنوا هذه المصادر والمراجع والدوريات وغيرها من المخابر والأجهزة التي يتطلبها البحث العلمي.
قال: بل نحن لا نكتفي بما تُيسّره لنا الشابكة ونقنع به، بل نسرف أيّما إسراف في استغلاله، بل كثيراً ما نسطو عليه سطواً يمكن أن يجعلنا عرضة لتطبيق الكثير من العقوبات التي ينصّ عنها القانون الجنائي المحلي والدولي.

قلت: السطو لا يقوم به إلا مدّعو العلم وطفيليّوه، أما العلماء فإن وَرَعهم يقيهم من الوقوع في درك هذه الرذيلة التي تتنافى مع جميع قواعد العلم والأخلاق والقانون والشرائع السماوية.
قال: أنا أعلم أن كثيرين من الصحفيين، والكتاب، وطلاب الدراسات العليا، بل أساتذة الجامعات، لا يترددون في السطو على جهود غيرهم، ويعمدون إلى استخدام آلية "القص" و " اللصق"، في صنع نصوصهم "المبتكرة" التي يعيدون تحريرها ويوقعونها بأسمائهم.
وأعلم أيضاً أن بعضاً من هؤلاء لا يكلِّفون أنفسهم حتى عناء "القص" و "اللصق" والتحرير، ويسطون على جهود غيرهم بقضّه وقضيضه دون أن يساورهم الخجل أو الإحساس بالذنب، وهم مستعدون باستمرار للاعتذار عن سوء فعلهم هذا بأعذار هي أقبح من الذنوب والآثام التي يرتكبونها.
وأعلم كذلك أن بعضهم ينحل نفسه ترجمات غيره ويدَّعيها لنفسه، معتذراً في معظم الأحيان بأن تكرار ترجمتِه لما ترجمَتْهُ أقلام غيره، إنما كان لانعدام التواصل بين الأقطار العربية، وأنه لو علم بجهود غيره لما كرّرها، ومسوغاً في أحيان أخرى عمله بأنه إنما جاء ارتقاءً بعمل غيره الذي لم يُرضِه لما خالطه من أخطاء وعيوب.
وأعلم فوق هذا وذاك وذلك أن بعضهم يلخص جهود غيره من المؤلفين والمترجمين ويوقّعها باسمه دون أن يرِفّ له جفن.
قلت: على رِسلك يا صاحبي، فليست جميع الكتابات العربية الحديثة تقوم على ما ذكرت، وثمة نفرٌ لا بأس به من علماء الأمة يعملون بصمت، يبذلون الغالي من الجهد والوقت والمال الخاص بهم في إنتاج المعرفة والعلم، لأنهم يؤمنون بأن العلم صفة من صفات الله عز وجل، فهو العالم والعليم ولذلك تراهم يقدّسون العلم، ويرونه معراجاً يسمون به إلى خالقهم.
قال: إنني والله لأغبطك على حسن ظنك بالناس وعلى تفاؤلك المستمر، والذي أرى أن لا حدود له.
قلت: نحن، كما قال سعد الله ونوس، محكومون بالأمل، والشاعر يقول:" ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل"، وهذه الفسحة يا صاحبي بحاجة إلى أن نوسِّعها، وسبيل توسعتها هو العمل المخلص الجاد في سبيل رفعة الوطن وخدمة الأمة، وعلينا أن نؤمن أن الله لن يضيع أجر من أحسن عملاً.
تعليقات:
تعليقات:
ملحوظة:
    قيامك بالتسجيل وحجز اسم مستعار لك سيمكنكم من التالي:
  • الاحتفاظ بشخصيتكم الاعتبارية أو الحقيقية.
  • منع الآخرين من انتحال شخصيتك في داخل الموقع
  • إمكانية إضافة تعليقات طويلة تصل إلى 1,600 حرف
  • إضافة صورتك الشخصية أو التعبيرية
  • إضافة توقيعك الخاص على جميع مشاركاتك
  • العديد من الخصائص والتفضيلات
للتسجيل وحجز الاسم
إضغط هنا
للدخول إلى حسابك
إضغط هنا
الإخوة / متصفحي موقع حزب البعث العربي الإشتراكي-قطراليمن نحيطكم علماُ ان
  • اي تعليق يحتوي تجريح او إساءة إلى شخص او يدعو إلى الطائفية لن يتم نشره
  • أي تعليق يتجاوز 800 حرف سوف لن يتم إعتماده
  • يجب أن تكتب تعليقك خلال أقل من 60 دقيقة من الآن، مالم فلن يتم إعتماده.
اضف تعليقك
اضف تعليقك
اسمك (مطلوب)
عنوان التعليق
المدينة
بريدك الإلكتروني
اضف تعليقك (مطلوب) الأحرف المتاحة: 800
التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الموقع   
عودة إلى ثقافة و فنون
ثقافة و فنون
يوم اللغة العربية :ملامح من الجذور والولادة... مذكرات شخصية
جورج جبور
د. رحيم هادي الشمخي
االنقد في غياب النقاد
د. رحيم هادي الشمخي
دراسة إيطالية تكشف سر العلاقة بين الاكتئاب والأم الجسد
اااااااا
مصطفى الكيلاني
الكتابة عن الشعر بالشعر
مصطفى الكيلاني
الثقافة العربية بين الأصالة والمعاصرة
د. فرحان السليم
الدكتور محمود السيد
في محاضرته أوضاع اللغة العربية في الوطن العربي السياسة اللغوية العربية مازالت غائبة
الدكتور محمود السيد
الـمـزيـد
جميع الحقوق محفوظة © 2010-2021 حزب البعث العربي الإشتراكي-قطراليمن
برنامج أدرلي الإصدار 7.2، أحد برمجيات منظومة رواسي لتقنية المعلومات والإعلام - خبراء البرمجيات الذكية
انشاء الصفحة: 0.035 ثانية