التاريخ : السبت 18 سبتمبر-أيلول 2021 : 08:29 صباحاً
مصطفى الكيلاني
طباعة المقال طباعة المقال
RSS Feed ثقافة و فنون
RSS Feed مصطفى الكيلاني
RSS Feed ما هي خدمة RSS 
مصطفى الكيلاني
هل العرب أمة بلا فَلسَفة؟
الكتابة عن الشعر بالشعر
خفيف الظل أو ثقيله

بحث

  
انتحار المثقف العربي
بقلم/ مصطفى الكيلاني
نشر منذ: 10 سنوات و 9 أشهر و 12 يوماً
الأحد 05 ديسمبر-كانون الأول 2010 06:51 م

الانتحارالذي نروم الخوض فيه قولاً، هنا، هو الإقدام على قتل الرمز بعد عقود من إنشائه وتنميته بالأفكار المتحررة، والمواقف الكفاحية، والأعمال الإبداعية، كأن يقضي مفكر وناقد أو شاعر، أو روائي أو سينمائي أو مسرحي، زمناً طويلاً في مضانكة الوجود ومقاومة الخصوم لإثبات القيمة الرمزية لفكرة أو عمل إبداعي فني، ثم يتهاوى في لحظةٍ ذلك الصرح على شاكلةٍ تراجيدية، حتى لكأنه لم يوجد قط ذات يوم.
ولا فائدة من ذكر أسماء مثقفينا العرب، الذين تحولوا اليوم، وفي الأمس القريب، من رموز مشرقة لأمّتهم إلى أرقام باهتة في واجهة الإعلام والدعاية لحاكم عربي ما حدّ اتخاذ قرارات انتحارية من قبيل الدعوة إلى التطبيع مع العدو الصهيوني.
وتزداد مأساة هؤلاء فظاعة حينما ينتج الانهيار لأسباب أو مبررات تافهة عارضة، كبيع الاسم والمسمى معاً، لتحصيل منفعة عاجلة تتحدد بالمال أو المنصب وكثرة الظهور الإعلامي.
والنتيجة أن عقولاً وأقلاماً وأفواهاً كثيرة لمثقفين عرب أضحت عديمة الجدوى، فاقدة للمصداقية الفكرية والمعرفية والإبداعية، بعد أن أضحت صورهم تتصدر المجلات المترفة الأنيقة، ومقالاتهم التي يظهرون بها مرتجلة متناقضة في تصريحاتها، مرتبكة في مناهجها ونتائجها، ليستحيل هؤلاء إلى أشباه نجوم في زمن لا يعتقد في المثقف، بل يحوله إلى علامة كاريزماتية باهتة تشتغل على الأسماء عوضاً عن المسميات، وتستفيد من بهرج العرض كي يقال هذه المجلة النفطية، أو تلك، استقطبت الكاتب الفلاني ودجّنت هذا الفنان أو ذاك. وإذا هذا القبيل من المثقفين العرب، الذين آثروا الانتحار الرمزي على مواصلة مشاريعهم الفكرية والإبداعية الهامة، يسهمون في رداءة الزمن العولمي الذي نشهده اليوم.
وقد يبحث البعض لهؤلاء عن تعِلات كالقول بظروف الحياة الصعبة، واليأس من تغيير الوقائع، وتأخر المجتمع العربي، وغياب الآذان الصاغية، واصطدام المشاريع بالعجز، واستحالة الاستمرار فيها.. إلا أن الثابت للعيان أن هؤلاء المثقفين، الذين أقدموا على انتحارهم الرمزي، ليسوا من العاطلين عن العمل المحتاجين للمال والجاه، بل هم أساتذة جامعيون كبار، وقد شغل البعض منهم وزارات ومؤسسات ثقافية ذات سيادة ومراكز بحث لا تسلّم عادة إلا لمن أثبت الكفاءة والمعرفة، ونراهم في الأخير يقبلون أن يتحولوا إلى سلعة للتسويق الدعائي والإعلامي لهذا البلد النفطي أو ذاك، أو لجهة غربية، استعمارية القصد والاشتغال، حسب الطلب، كي يفقدوا بذلك احترام أنفسهم قبل احترام الآخرين لهم.
مشكلتنا اليوم أن خسارة هؤلاء لأنفسهم وخسارتنا بهم هي جدُّ فادحة، بعد أن تخلوا عن مشاريعهم الهامة، وانصرفوا إلى أداء اللحظة المشهدية، فاحترقوا بأضوائها، وتعرضت قواهم الفكرية والإبداعية إلى الاستنزاف حدّ الاستفراغ بدلالة الرمز، وكأنهم بذلك حولوا يأسهم الخاص إلى يأس عام.. ولم يقتصروا على خسارة أنفسهم، إذ نراهم أحياناً كثيرة يلجؤون إلى تهميش رفاقهم بسادية اللحظات الحرجة في العمل الانتحاري بالتقزيم والتبخيس والتخطيء والاستهانة، واستغلال مراكز نفوذهم السالفة والحادثة، لتسليط العقاب غير المبرر عليهم، والتشهير بهم، ولعب دور الجلاد، إن اقتضى الحال، لإخفاء وجه الضحية التي بها يتصفون في واقع انهيارهم التراجيدي اليوم.
فلا عجب اليوم في أن تنتشر سلوكات هؤلاء وتعمّ الساحة الثقافية العربية، كتحويل العمل الثقافي إلى ما يشبه مقاولات، يتبادل هؤلاء من خلالها في مختلف البلدان العربية المنافع النقدية والعينية والزيارات السياحية، لتشهد الحياة الثقافية العربية بذلك، منذ أعوام قليلة إلى اليوم، أفظع حالات التراجع والانهيار القيمي، كأن يستحيل البعض الكثير من مؤتمراتنا وندواتنا إلى ملتقيات فاقدة للقيمة العلمية والثقافية، تخدم القصد الدعائي الإعلامي فحسب.
فمتى تتوقف سلسلة الانتحارات المذكورة؟ ومتى نعيد للمثقف والثقافة العربيين الدور الطليعي الذي نحن في أمسّ الحاجة إليه اليوم وغداً؟ كيف نحرر ثقافتنا العربية من هذه الأمراض وغيرها كي نتحرر بها جميعاً ونفتح الأفق واسعاً على مستقبل مشرق لأجيالنا القادمة؟.
تعليقات:
تعليقات:
ملحوظة:
    قيامك بالتسجيل وحجز اسم مستعار لك سيمكنكم من التالي:
  • الاحتفاظ بشخصيتكم الاعتبارية أو الحقيقية.
  • منع الآخرين من انتحال شخصيتك في داخل الموقع
  • إمكانية إضافة تعليقات طويلة تصل إلى 1,600 حرف
  • إضافة صورتك الشخصية أو التعبيرية
  • إضافة توقيعك الخاص على جميع مشاركاتك
  • العديد من الخصائص والتفضيلات
للتسجيل وحجز الاسم
إضغط هنا
للدخول إلى حسابك
إضغط هنا
الإخوة / متصفحي موقع حزب البعث العربي الإشتراكي-قطراليمن نحيطكم علماُ ان
  • اي تعليق يحتوي تجريح او إساءة إلى شخص او يدعو إلى الطائفية لن يتم نشره
  • أي تعليق يتجاوز 800 حرف سوف لن يتم إعتماده
  • يجب أن تكتب تعليقك خلال أقل من 60 دقيقة من الآن، مالم فلن يتم إعتماده.
اضف تعليقك
اضف تعليقك
اسمك (مطلوب)
عنوان التعليق
المدينة
بريدك الإلكتروني
اضف تعليقك (مطلوب) الأحرف المتاحة: 800
التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الموقع   
عودة إلى ثقافة و فنون
ثقافة و فنون
طلال الغوار
مثقفون من ورق
طلال الغوار
عبده فلي نظيم
فريق بحثي عربي يتوصل لعلاج السرطان من الإبل
عبده فلي نظيم
طلال الغوار
في البناء الفكري والسياسي للمشروع القومي العربي
طلال الغوار
تطبيق جديد للهاتف المحمول لمكافحة سرطان الجلد
ناجي طاهر
أبوأصيل
سبعة آلاف شاعر يتنافسون على لقب أمير الشعراء بأبوظبي
أبوأصيل
مصطفى الكيلاني
هل العرب أمة بلا فَلسَفة؟
مصطفى الكيلاني
الـمـزيـد
جميع الحقوق محفوظة © 2010-2021 حزب البعث العربي الإشتراكي-قطراليمن
برنامج أدرلي الإصدار 7.2، أحد برمجيات منظومة رواسي لتقنية المعلومات والإعلام - خبراء البرمجيات الذكية
انشاء الصفحة: 0.013 ثانية