التاريخ : الأربعاء 29 سبتمبر-أيلول 2021 : 08:41 صباحاً
د. معن منيف سليمان
طباعة المقال طباعة المقال
RSS Feed قضايا فكرية
RSS Feed د. معن منيف سليمان
RSS Feed ما هي خدمة RSS 
د. معن منيف سليمان
يوم الأرض .. مواجهة الاستيطان والتوسع العنصري
أثنان وستون عاماً على النكبة والفلسطينيون صامدون

بحث

  
تجربة نهوض تحرري
بقلم/ د. معن منيف سليمان
نشر منذ: 8 سنوات و شهر و 29 يوماً
الإثنين 29 يوليو-تموز 2013 11:23 م

مثلت ثورة 23 تموز عام 1952، التي قادها الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، بداية مرحلة تاريخية جديدة، أصبحت فيها مصر القوة الأكثر تأثيراً في مسيرة النضال التحرري العربي والعالمي على حدٍّ سواء. وقد تميزت الثورة بكونها ثورة بيضاء لم ترق فيها قطرة دم واحدة، وهذا أمر مختلف عن الانقلابات العسكرية التي يقوم بها عادة العسكريون. كما تميزت الثورة بالمرونة والانفتاح وعدم الجمود في سياستها الداخلية، رغم القرارات الكبرى التي اتخذتها، والتي صبت في مصلحة الطبقات الأفقر والسواد الأعظم من الشعب، لذا لم يكن غريباً أن يعدّ يوم الثالث والعشرين من تموز من كل عام عيداً وطنياً لمصر.
لقد كشفت حرب عام 1948 بين العرب و"إسرائيل" بوضوح وعبر مختلف مجرياتها، عن مدى العلاقة بين القوى الرجعية العربية الحاكمة والمصالح الاستعمارية والصهيونية ، لاسيما في مصر والأردن، القطرين المجاورين مباشرة لفلسطين، وكانت الهزيمة بمثابة سبب مباشر لدفع القوى الشعبية في مصر إلى تصعيد نضالها، وإنجاز الثورة ضد الحكم الملكي الخاضع كلياً للاحتلال البريطاني.
تجاهلت تلك السلطة مطالب الأغلبية العظمى من الشعب، وتعامت عن سوء الحالة الاقتصادية والظلم وفقدان العدالة الاجتماعية بين طبقات الشعب وسوء توزيع الملكية وثروات الوطن، فضلاً عن البذخ الذي كان يعيشه الملك وحاشيته في حين ترك الشعب يعاني الفقر. إضافة إلى نكبة فلسطين وفضيحة الأسلحة الفاسدة، وعدم حدوث أي تقدم في موضوع جلاء القوات البريطانية التي عرضت على هيئة الأمم، وتقليص حجم الجيش الوطني بعد فرض الحماية البريطانية على مصر وإغلاق المدارس الحربية والبحرية.
بدأت الثورة عندما وصلت أنباء إلى تنظيم الضباط الأحرار تؤكد نية القصر الملكي القبض على ثلاثة عشر ضابطاً منتمين إلى التنظيم، والاتجاه لتعيين حسين سري وزيراً للحربية، فاجتمع مجلس قيادة الثورة، كما سمي فيما بعد، وأقر خطة تقضي بالسيطرة على قيادة القوات المسلحة وذلك في تمام الساعة الواحدة ليلة 23 تموز 1952 والاستيلاء على مبنى الإذاعة والمرافق الحيوية في القاهرة. وتم تكليف علي ماهر باشا بتشكيل الوزارة بعد إقالة وزارة الهلالي باشا التي لم يكن قد مضى على تشكيلها يوم واحد.
وفي صبيحة ذاك اليوم تم الاتصال بالسفير الأمريكي لإبلاغ رسالة إلى القوات البريطانية بأن الثورة شأن داخلي، وتم التأكيد على حماية ممتلكات الأجانب لضمان عدم تدخل القوات البريطانية، وتمت السيطرة على الحكم وطرد الملك بعد أن أجبر على التنازل عن العرش إلى ولي عهده ابنه الرضيع أحمد فؤاد، ثم تم ترحيل الملك وأسرته إلى إيطاليا، ليعلن الضباط الأحرار للشعب انتهاء مرحلة الاستعباد والظلم والتخلف وبداية مرحلة جديدة في تاريخ مصر المعاصر.
كان أهم ما تميز به تنظيم الضباط الأحرار أنه لم يكن ينتمي إلى أي حزب سياسي أو أي اتجاه معين وإنما كان يتشكل من مختلف الاتجاهات السياسية، وقد حاز على تأييد الشعب بمختلف شرائحه، واعتماداً على هذه الثقة قام بحل الأحزاب وإلغاء دستور 1923 بعد ستة أشهر من قيام الثورة، والتزم بمرحلة انتقالية هي ثلاث سنوات يقوم بعدها النظام الجمهوري الجديد.
أخذت الثورة تأكد هويتها من خلال تحديد إستراتيجيتها الوطنية في العمل على متابعة التحرر الداخلي في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والفكرية، ثم استكمال جوانب التحرر من بقايا الاستعمار البريطاني وجلاء القوات العسكرية البريطانية المرابطة عند قناة السويس، وإغلاق الملاحة في خليج العقبة أمام السفن "الإسرائيلية"، وتأميم قناة السويس والإصلاح الزراعي وبناء السد العالي وقرارات التأميم وغيرها.
أما على الصعيد الخارجي فقد رفضت مصر مختلف مشروعات الأحلاف الاستعمارية التي كانت تهدف إلى إبقائها في فلك التبعية، وجرها إلى عقد صلح مع "إسرائيل". وهذا ما اتضح من جملة المقترحات التي طرحت ما بين عام 1950 ـ 1955، حيث ربطت مسألة الجلاء البريطاني عن قناة السويس، ونقل قواعدها إلى فلسطين المحتلة بعقد صلح بين مصر و"إسرائيل"، لكن مصر سارت خطوات حاسمة في قضية جلاء القوات البريطانية حتى عام 1954.
وحددت مصر موقفها الوطني في معركة "الأحلاف الاستعمارية" و"المحاور الرجعية"، بعد أن دخلت حكومة "نوري السعيد" في العراق خطوات عملية في هذا المجال. فأبدت أولاً عدم ارتياحها لفكرة عقد "المؤتمر الإسلامي" الذي تقدمت به "الباكستان" والذي لم تكن فكرة عقده بعيدة عن أجواء الأحلاف، ثم صعّد وفد مصر موقفه في اجتماع اللجنة السياسية التابعة لجامعة الدول العربية في دورتها العادية المنعقدة في نهاية عام 1954.
ودعت مصر في هذا الاجتماع إلى "اتخاذ موقف موحد من الدول العربية بإدانة سياسة الأحلاف" في الوقت الذي نشط فيه "حلف بغداد" وتبنى "نوري السعيد" ترويجه في الوطن العربي، كما شكّل العراق أحد أطراف "المحور الهاشمي".
وعملت مصر على تشكيل محور من مصر وسورية والسعودية ـ بهدف مواجهة الحلف الهاشمي ـ واتجهت نحو التعاون مع دول المنظومة الاشتراكية عام 1955، مخترقة لأول مرة حصار الغرب، لتفتح آفاقاً دولية جديدة ولتخرج من دائرة القوى الغربية الاستعمارية الساعية لضمها إلى "الأحلاف الاستعمارية".
وفي أيلول عام 1955، انتهت المفاوضات بين "تشيكوسلوفاكيا" ومصر حول بيع السلاح، وعلّق حينها "موشي شاريت" على موضوع التعاون مع المعسكر الاشتراكي وانعكاسه السلبي على "إسرائيل" بأن اتفاقية التسليح "أثرت تأثيراً بالغاً على أمن "إسرائيل"، وبأنها غيّرت ميزان القوى تغييراً حاسماً، ووضعت حدّاً لتفوق "إسرائيل" النوعي".
وفي هذه الحقبة عقد مؤتمر "باندونغ" لدول عدم الانحياز في 20 نيسان عام 1955، والذي أنهى أعماله بإصدار بيان ضد السياسة الصهيونية العدوانية.
وكان لنهوض النضال القومي الوحدوي العربي بعد الثورة ـ بقيادة مصر وسورية ـ أثره الكبير في توجيه دفة الأحداث السياسية في الوطن العربي، وهو ما عدته الدول الاستعمارية المتنفذة في المنطقة خطراً حقيقياً يهدد مصالحها، وكان لهذه التطورات أثرها الكبير في النهوض الثوري والتحرري في الجزائر والأردن ولبنان والعراق، وتوجه سورية ومصر نحو الوحدة.
وكانت من أهم إنجازات الثورة قيام الوحدة بين سورية ومصر وولادة الجمهورية العربية المتحدة في 22/2/1958 بالتعاون مع حزب البعث العربي الاشتراكي، هذه الوحدة التي تآمرت عليها قوات الاستعمار والرجعية والانفصال لتجهضها قبل أن يشتد ساعدها ويتعاظم تأثيرها.
وعملت مصر أيضاً، على دعم العمل الفدائي وتنظيمه وتأمين وسائل التدريب العسكري والتسليح وهذا ما وضحه الرئيس عبد الناصر حين قال:" ... استقر رأينا على أن أحسن وسيلة لمجابهة إسرائيل هي أن يكون لدينا فدائيون منظمون على أساس الوحدات الصغيرة". وبالفعل كان للمتطوعين الفدائيين دورهم في حرب السويس عام 1956، وفي مراحل لاحقة. وبعد قيام "منظمة التحرير الفلسطينية" كانوا عماد الثورة الفلسطينية، وكان للعمل الفدائي تأثيره الكبير في دفع "إسرائيل" وحلفائها للقيام بعدوانهم على مصر عام 1956.
 لقد أثبتت ثورة 23 تموز على مدى السنين صواب المنهج القومي في معالجة القضايا الداخلية والعربية والإقليمية، كما أن نهجها الاقتصادي والاجتماعي أسهم في تحقيق خطوات مهمة على درب العدالة الاجتماعية والبناء الاقتصادي المتين. ولا تزال ثورة 23 تموز حتى اليوم تمثل في عيون الشعب العربي تجربة مهمة في تغيير واقع التخلف والتشرذم والاحتلال والانقسام الذي يعاني منه الوطن العربي.
تعليقات:
تعليقات:
ملحوظة:
    قيامك بالتسجيل وحجز اسم مستعار لك سيمكنكم من التالي:
  • الاحتفاظ بشخصيتكم الاعتبارية أو الحقيقية.
  • منع الآخرين من انتحال شخصيتك في داخل الموقع
  • إمكانية إضافة تعليقات طويلة تصل إلى 1,600 حرف
  • إضافة صورتك الشخصية أو التعبيرية
  • إضافة توقيعك الخاص على جميع مشاركاتك
  • العديد من الخصائص والتفضيلات
للتسجيل وحجز الاسم
إضغط هنا
للدخول إلى حسابك
إضغط هنا
الإخوة / متصفحي موقع حزب البعث العربي الإشتراكي-قطراليمن نحيطكم علماُ ان
  • اي تعليق يحتوي تجريح او إساءة إلى شخص او يدعو إلى الطائفية لن يتم نشره
  • أي تعليق يتجاوز 800 حرف سوف لن يتم إعتماده
  • يجب أن تكتب تعليقك خلال أقل من 60 دقيقة من الآن، مالم فلن يتم إعتماده.
اضف تعليقك
اضف تعليقك
اسمك (مطلوب)
عنوان التعليق
المدينة
بريدك الإلكتروني
اضف تعليقك (مطلوب) الأحرف المتاحة: 800
التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الموقع   
عودة إلى قضايا فكرية
قضايا فكرية
د .عبد اللطيف عمران
الإسلام السياسي: تحدي القومية والدين
د .عبد اللطيف عمران
يوسف مصطفى
الوعي القومي.. بعضُ سياقِه التاريخي
يوسف مصطفى
ريا خوري
الهوية العربية والأمن القومي العربي
ريا خوري
الدكتور / جهاد عبدالرحمن
قراءة للمشهد المصري بعد 30 يونيو وسيناريوهات المستقبلية له.
الدكتور / جهاد عبدالرحمن
إبراهيم أحمد
الولايات المتحدة.. تاريخ من العنصرية ورعاية إرهاب الدولة
إبراهيم أحمد
توفيق الحميري
منبّه من منبّه
توفيق الحميري
الـمـزيـد
جميع الحقوق محفوظة © 2010-2021 حزب البعث العربي الإشتراكي-قطراليمن
برنامج أدرلي الإصدار 7.2، أحد برمجيات منظومة رواسي لتقنية المعلومات والإعلام - خبراء البرمجيات الذكية
انشاء الصفحة: 0.015 ثانية