التاريخ : الإثنين 29 نوفمبر-تشرين الثاني 2021 : 03:22 مساءً
الدكتور محمود السيد
طباعة المقال طباعة المقال
بحث

  
في محاضرته أوضاع اللغة العربية في الوطن العربي السياسة اللغوية العربية مازالت غائبة
بقلم/ الدكتور محمود السيد
نشر منذ: 11 سنة و 10 أشهر و يوم واحد
الثلاثاء 26 يناير-كانون الثاني 2010 07:01 م

على الرغم من الجهود المبذولة من قبل المؤسسات المعنية، ومن قبل المهتمين والمدافعين عن اللغة العربية الفصحى، إلا أن الواقع الذي تعيشه هذه اللغة في أوطانها يبدو ضبابياً وتشوبه شوائب كثيرة.. وقد اختصرت المحاضرات التي قُدِّمَت في ندوة مرصد اللغة العربية وآفاق التعريب مؤخراً، والتي نظّمها مكتب تنسيق التعريب في الرباط وجمعية الدعوة الإسلامية العالمية في طرابلس-ليبيا، بالتعاون مع مَجمَع اللغة العربية والمركز العربي للتعريب والترجمة بدمشق هذا الواقع، ولاسيما محاضرة د.محمود السيد التي لخّصت واقع اللغة العربية الفصحى.. فتحتَ عنوان "اللغة العربية في العملية التعليمية" رأى د.السيد أن السياسة اللغوية مازالت غائبة، على الرغم من أن دساتير الدول العربية تنص على أن اللغة العربية الرسمية في الدولة هي العربية، ولكن تبدو الفجوة كبيرة بين ما ينص عليه الدستور وما يُمارَس على أرض الواقع، وأشار إلى أن السياسة اللغوية ترمي إلى تعليم مواد المعرفة كافة باللغة القومية، وتحديد موقع اللغات الأجنبية في نسق النظام التعليمي الرسمي وفي المدارس والجامعات الخاصة والمدارس الأجنبية .

وتوقف السيد في محاضرته مطوَّلاً عند الموقف من اللغات الأجنبية في العملية التعليمية، فأشار إلى أن ثمة اعتماداً على اللغة العربية في دول المغرب العربي ابتداء من النصف الأول من مرحلة التعليم الأساسي، إلى جانب إدراك أهمية تعليم اللغة الأجنبية في عصر المعلومات والعولمة منذ وقت مبكر، فقد أدركت ليبيا –كما يؤكد د.السيد- أهمية اللغة الإنكليزية والبدء بتعليمها مبكراً، فأدخلتها بدءاً من الصفوف العليا من التعليم الابتدائي.. وفي تونس ذكر أن اللغة الفرنسية لا تُدَرَّس قبل الصف الثالث الابتدائي، على الرغم من محافظة اللغة الفرنسية على وجودها وتحديها لجهود التعريب.. كذلك الشأن في الجزائر التي ما تزال اللغة الفرنسية حاضرة فيها بكثافة، ولكنها تعليمياً لا تُدرَّس قبل الصف الرابع الابتدائي. وفي الوقت الذي فُتِح فيه باب المدارس الخاصة فُتِحت الأبواب على مصاريعها للّغات الأجنبية، ما أدى إلى إلزام وزارة التربية هذه المدارس بتعليم العربية وتطبيق برامجها، ويصف السيد التعليم العالي بالقلعة المحصنة التي لا تنفذ إليها اللغة العربية. ويشير إلى أن أول قانون لتعميم استعمال اللغة العربية في الجزائر صدر عام 1991 ولكن المتربصين بالتعريب عملوا على تجميده تارة، وعلى تجاهله تارة أخرى، وهكذا أصبحت الفرنسية هي اللغة الرائجة والمتداخلة في العديد من وسائل الإعلام .

أما في المغرب فلا تُدَرَّس الفرنسية قبل الصف الثالث الابتدائي، وقد أُعلِن في المغرب أن العقد الأول من القرن الحادي والعشرين هو عقد التعليم والاهتمام المكثف باللغة الإنكليزية. ويشير السيد إلى أن التعريب في المغرب مر بتجارب لم تؤّدِ إلى نتائج مرجوّة بسبب عدم الاستعداد له على صعيد تكوين المعلمين ووضع المقررات والكتب المدرسية، فكان التعريب عبارة عن شعارات غير مطبقة . ويؤكد السيد أن السياسة اللغوية في المغرب لم تهتدِ إلى علّة عدم التوازن اللغوي في المجتمع بعد أن تقاسمت اللغة الأجنبية مع اللغات الوطنية الحقول التخاطبية والمعرفية في التعليم العام. كما أخذ السيد على الميثاق الوطني أنه اكتفى بتعريب بعض المواد العلمية في المستويات الابتدائية والإعدادية والثانوية، في حين يُستأنف التعليم الجامعي في ميدان العلوم باللغة الأجنبية (الفرنسية) أما التعداد اللغوي فالتبرير الوحيد الذي يقدمه الميثاق هو أن اللغات الحديثة تمليها ضرورة الانفتاح على الحياة العصرية . ويلخص السيد الحال في المغرب ليؤكد أن رصد واقع اللغة العربية فيها يدل على أن السياسة اللغوية المتبعة اتجاهها هي سياسة عدم التدخل، وهي سياسة تنتهجها الدول حينما تكون لغتها الأصلية قوية، أما حين تكون اللغة الوطنية مهددة باللهجات واللغات الأجنبية، وتعاني من ضعف الإمكانيات وتراجع وضعها الاعتباري في مجال العلوم والاقتصاد فإن هذه السياسة تبدو غير مرحب بها .

وحين انتقل د.السيد إلى دول الخليج العربي أشار إلى أن الحكومات تبذل من الناحية الرسمية المعلَنة كل ما في وسعها لدعم مواقف اللغة العربية، وتعزيز مكانتها والحفاظ عليها، إلا أن الواقع العملي –برأي السيد- يناقض ما تسنّه الحكومات من قوانين نظرية لدعم اللغة العربية... إلى جانب غياب التخطيط اللغوي المشترك، إذ أن المناهج تعتمد في وضعها على الاجتهادات والتصورات الشخصية والانطباعات الذاتية والنظم التقليدية، فبات لكل من دول الخليج مناهجه وطرائقه وسلسلة كتبه الدراسية الخاصة به. وقد أشار السيد إلى أن اللغة العربية وإن كانت هي المعتَمَدة في مرحلة التعليم الأساسي في دول الخليج العربي إلا أنه ثمة توجهاً في السعودية إلى التعليم باللغة الإنكليزية، وخاصة العلوم والرياضيات، حيث صدر عن وزارة التربية والتعليم السعودية نظام جديد يسمح للمدارس الأهلية بتدريس جميع المواد بلغة غير عربية، ما عدا العلوم الدينية. في حين أن النظام التعليمي الجديد في قطر قد تخلى عن التدريس باللغة العربية التي نص عليها الدستور، كما اتجهت الإمارات العربية نحو اعتماد اللغة الإنكليزية في تدريس العلوم والرياضيات من الصف الأول الابتدائي إلى الثاني عشر، بحجة تأهيلهم للدراسة الجامعية وتلبية متطلبات سوق العمل،!.. أما في مجال التعليم العالي فقد عمدت الإمارات في السنوات الأخيرة إلى تعليم العلوم الإنسانية والاجتماعية باللغة الإنكليزية. وبيّن السيد أن الداعين إلى استعمال اللغة الإنكليزية يرون أنها هي لغة العصر، لذلك أصبحت مهيمنة على التخصصات كافة في جامعات الإمارات، حتى أن عدداً كبيراً من مقررات أقسام اللغة العربية تُدَرَّس بالإنكليزية. ويشير السيد إلى المظاهر السلبية للسياسة اللغوية في دول الخليج العربي، والتي تقوم على عدم توفير الحوافز اللازمة لمدرسي اللغة العربية. ويؤكد أن الاستعمار بمختلف ضروبه قد حارب اللغة العربية، وما عجز عن تحقيقه نعمل على تحقيقه في بلادنا، وذلك عندما نستعمل اللغة الإنكليزية في التعليم في جامعاتنا وفي المدارس الخاصة وعندما يُفسح المجال للخريجين منها للتوظيف، في حين يصبح الأمر محالاً للخريجين المؤهلين بالعربية. أما على صعيد واقع المناهج التعليمية فيراها تعتمد على الاجتهادات والخبرات الشخصية والانطباعات الذاتية في منأى عن المعايير الموضوعية والتجارب العلمية المنضبطة والميدانية. كما تتسم طرائق التدريس بالتلقين والفوضى والاضطراب في إعطاء الدروس في مختلف مراحل التعليم، بسبب غياب الأهداف والجمود في استخدام الطرائق، وقلة استخدام التقنيات التربوية في تعليم اللغة. ويوضح السيد أيضاً أن المنظمة العربية للتربية والثقافة قد عملت على رصد مشكلات تعليم اللغة العربية في العملية التعليمية والتعلمية، ولخّصتها في عدم عناية مدرسي اللغة العربية وغيرهم من مدرسي المواد الأخرى باستخدام اللغة العربية الصحيحة، وعدم توافر قاموس لغوي حديث في كل مرحلة من المراحل، والافتقار إلى أدوات القياس الموضوعية في تقويم التعليم اللغوي، إضافة إلى صعوبة القواعد النحوية وصعوبات الكتابة العربية .
كما أكد السيد أن السياسة اللغوية في استخدام العربية في المجتمع غائبة بدورها أيضاً، فليس ثمة وعي –برأيه- على مستويات القيادات السياسية والاقتصادية والثقافية بخطورة الدور الذي تؤديه اللغة في تنمية المجتمع الحديث. وأشار السيد في محاضرته إلى التحديات التي تواجه اللغة العربية، كما حددتها مؤسسة الفكر العربي في مشروعها لإنقاذ العربية، والتي تتجلى في سيطرة اللهجات وعدم وجود آليات فعالة لنشر الفصحى، وحصر استخدام الفصحى في قلة من النخبة المتخصصة، إضافة إلى عدم وجود مقررات موحدة في البلاد العربية، وتدني الإعداد الأكاديمي والمهني لمعلمي اللغة العربية. كما أكد أن الواقع العملي والسياسات والإجراءات المعمول بها في دول الخليج تعمل على إضعاف اللغة والتقليل من فعاليتها، من خلال عدم اهتمام رجال السياسة بسلامة اللغة على الصعيد العملي، وعدم تصديهم للغزو اللغوي الوافد، وهذا ما جعل لغة المجتمع تتأثر باللغات الأجنبية .

وفي مجال الاقتصاد عصب الحياة يشير السيد إلى أن البيئة العربية مستهلِكة للمستورَد من نتاج الغرب والشرق، ولهذا رسّخت الشركات الأجنبية أقدامها من خلال الترويج للغاتها، وهذا ما جعل اللغة الأجنبية لغة الأعمال التجارية، فأُقصيت العربية من هذا المجال لتصبح اللغة الأجنبية لغة طبيعية مطلوبة في كثير من الأنشطة في الحياة العامة. كما لا ينفي تأثير استخدام العمالة الأجنبية في دول الخليج التي أدت إلى حدوث تحولات سلبية في حياة المجتمع، وكان من نتائج ذلك –برأيه- تسرب المئات من ألفاظ اللغة الأجنبية، وهكذا يجد أن لغة المجتمع العربي في منطقة الخليج تواجه سيلاً من الصيغ والعبارات الأجنبية التي تخترق حياة هذا المجتمع في ظل عدم وجود ضوابط قانونية صارمة .

ولا يبدو واقع حال اللغة العربية في مجتمع دول المغرب العربي أفضل حالاً في ظل هيمنة اللغة الفرنسية على كافة نواحي المجتمع (الاقتصاد-الإدارة-وسائل الإعلام) إلى جانب الاستعمال المتزايد للعامية ووجود خليط لغوي هجين ناتج عن استعمال لغة على حساب أخرى، فالفرد قد يوظف أحياناً في الخطاب نفسه عناصر من العامية وأخرى من الفرنسية، وهذا ما يؤدي إلى عدم التركيز في نسق واحد .

وتحت عنوان "اللغة العربية والتقانات الحديثة" يؤكد السيد أن ثمة عناية بالتقنيات التربوية في تعليم اللغة العربية قد بدأت في العقود الأخيرة من حيث استخدام التسجيلات والأفلام والحقائب التعليمية، بيدَ أن هذه الجهود- برأيه- غير كافية، فما يزال تعليم اللغة العربية وتعلمها يشكو القصور في التنفيذ باستخدام الوسائل المعنية، إضافة إلى ضآلة المحتوى الرقمي العربي على الشابكة. ويرجع السيد تخلف صناعة المحتوى في وطننا العربي إلى عدم وجود السياسات والرؤى المستقبلية، وضعف صناعة المحتوى وضعف جهود البحث والتطوير في استخدام اللغة العربية وتطوير أدواتها الحاسوبية، وضعف البيئة التمكينية لمساهمة القطاع الخاص في صناعة المحتوى وضمور العرض وضعف الطلب .

ذكَر أن ندوة مرصد اللغة العربية وآفاق التعريب استمرت يومين وشارك فيها: زيد العساف مدير مركز التعريب والترجمة والتأليف والنشر في سورية، وعبد الرحمن الحاج صالح رئيس المجمع الجزائري للغة العربية، ود.عبد اللطيف عبيد الباحث في المعهد العالي للغات في تونس، ود.أحمد علوي أطلس رئيس جمعية اللسانيين المغاربة، ود.محمد زكي خضر رئيس قسم هندسة الكهرباء في الجامعة الأردنية، ود.مصطفى عبد السميع مستشار وزير التربية والتعليم في مصر .

متابعة : أمينة عباس

تعليقات:
تعليقات:
ملحوظة:
    قيامك بالتسجيل وحجز اسم مستعار لك سيمكنكم من التالي:
  • الاحتفاظ بشخصيتكم الاعتبارية أو الحقيقية.
  • منع الآخرين من انتحال شخصيتك في داخل الموقع
  • إمكانية إضافة تعليقات طويلة تصل إلى 1,600 حرف
  • إضافة صورتك الشخصية أو التعبيرية
  • إضافة توقيعك الخاص على جميع مشاركاتك
  • العديد من الخصائص والتفضيلات
للتسجيل وحجز الاسم
إضغط هنا
للدخول إلى حسابك
إضغط هنا
الإخوة / متصفحي موقع حزب البعث العربي الإشتراكي-قطراليمن نحيطكم علماُ ان
  • اي تعليق يحتوي تجريح او إساءة إلى شخص او يدعو إلى الطائفية لن يتم نشره
  • أي تعليق يتجاوز 800 حرف سوف لن يتم إعتماده
  • يجب أن تكتب تعليقك خلال أقل من 60 دقيقة من الآن، مالم فلن يتم إعتماده.
اضف تعليقك
اضف تعليقك
اسمك (مطلوب)
عنوان التعليق
المدينة
بريدك الإلكتروني
اضف تعليقك (مطلوب) الأحرف المتاحة: 800
التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الموقع   
عودة إلى ثقافة و فنون
ثقافة و فنون
الثقافة العربية بين الأصالة والمعاصرة
د. فرحان السليم
مصطفى الكيلاني
الكتابة عن الشعر بالشعر
مصطفى الكيلاني
جناية الشابكة على الكتابات العربية الحديثة
أ.د. عبد النبي اصطيف
ثقافة الوعي القومي العربي
د. فاروق اسليم
منظار الفضاء هيرشل يلتقط صورا لولادة النجوم
ناصح امين
نصر الدين البحرة
شعراء مغمورون
نصر الدين البحرة
الـمـزيـد