الكتابة عن الشعر بالشعر
مصطفى الكيلاني
مصطفى الكيلاني

لهذا اللون حضور في دواوين الشعراء القدامى، كبعض الأبيات تُحوّل الشعر إلى حكمة والحكمة إلى شعر، بأن تنزع القصيدة إلى أداء الماهية التي بها يكون الشعر شعراً، بمفرد الذات الكاتبة والمُنجز الشعري معاً، وكالقصائد ترد كاملة لتُمثل في مسار الحركة الشعرية علامة إبدال من نوع خاص، كأن تُؤرّخ للشعر بالشعر، إذ النصوص تتنادى بحكم التجاور والاسترسال ليُكرر بعضها البعض الآخر دلالة مرجعية.

كذا الشعر، إن جزأناه في قصائد -لحظات، هو ذلك الموصوف الواحد المُتعدد بنعوت شتى تبعاً لتحولات الرغبة الكاتبة، وما يتولّد عنها من مشاعر ومواقف في سياقات التفاعل النابض حياةً بين الداخل والخارج، بين ما يُمثّل قادحاً في محيط الذات وما ينقدح في الأثناء بالرغبة تستعيد شهوة الكتابة مراراً وتكراراً، كعطش دائم ينقطع برواء حيني عارض، فلا إراوء ولا اكتفاء.

ولئن اتسمت قصيدة الحال أو الموقف بضرب من الاكتفاء، فإن كتابة الشعر بالشعر، تلك التي تتخذ لها صفة «الشعري» تسميةً، هي الشبيهة بحال لا تستقر على حال، لأنها وليدة شعور دفين بالنُقصان، وتنشد اكتمالاً لا يتحقق نتيجة اختلاف حالات الوعي المُصاحب لهذا النقصان المتأصّل في كينونة الذات، منذ بدء تكوّنها مروراً من المشيمة إلى الراضع، ومنه إلى أطوار العمر.

لذا فإن الشاعر هو شاعرٌ لذاته ولغيره، أو هو شاعرٌ بذاته وغيره معاً، لما للأنا من دلالة غيريّة وما للغير من معنى أنوي منذ لحظات الوعي الأولى.

هو النقصان، إذاً، ثم النقصان، والشاعر ليس ذاك الذي يُقارب بالفعل الكتابي حقيقة هذا النقصان فحسب، بل هو أيضاً من يُحوّل تجربته الخاصة إلى نص جمعي، ذلك ما يُحدث رعشة التقبّل ويُحقق الاستجابة بمُطابقة الحال المفردة والمتعددة معاً، وبالإيحاء الذي يفتح لغة القصيدة على إمكان تجدّد الرغبة في القراءة، رغم اختلاف اللغات والثقافات والمجتعات والأزمنة.

فكتابة الشعر مُتاحةٌ للجميع، شأن القراءة، إلّا أن كتابة الشعر بالشعر لحظات استثنائية في تاريخ الإنسانية جمعاء لا تتوفر إيقاعاتها المدهشة إلّا لدى أسماء من خَبِروا كتابة الحدس، الرغبة التي تتماهى والجنون العاشق أو العشق الجنوني، الحب الذي يكسر قاعدة التوسط بين الحياة والموت، لينقلب إلى موت جميل في الحياة، الهذيان البديع الآسر، إنشاء الصدفة، كتابة اللا –مُنتظر.


في السبت 20 مارس - آذار 2010 05:28:00 م

تجد هذا المقال في حزب البعث العربي الإشتراكي-قطراليمن
https://albaath-as-party.org
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://albaath-as-party.org/articles.php?id=112